عن محمد بن خفيف قال: رجعت من مكّة ودخلت بغداد، وأردت أن ألقى الحسين بن منصور، وكان محبوسا قد منع الناس عنه. فاستعنت معارفي وكلّموا
السجّان، وأدخلني عليه. فدخلت السجن والسجّان معي، فرأيت دارا حسنة، ورأيت في الدار مجلسا حسنا، وفرشا حسنا، وشابّا قائما كالخادم. فقلت له: أين الشيخ.
فقال: مشغول يشغل. فقلت: ما يفعل الشيخ إذا كان جالسا ههنا. قال: ترى هذا الباب. هو إلى حبس اللصوص والعيارين، يدخل عليهم ويعظهم فيتوبون. فقلت:
من أين طعامه. فقال: تحضره كل يوم مائدة عليها ألوان الطعام فينظر إليها ساعة ثم ينقرها بإصبعه فترفع ولا يأكل. فإذا الحلّاج قد خرج إلينا، فرأيته حسن الوجه، لطيف الهيئة، عليه الهيبة والوقار. فإذا هو سلّم عليّ وقال: من أين الفتى. قلت:
من شيراز. فسألني عن مشايخها فأخبرته. وسألني عن مشايخ بغداد، فأخبرته.
فقال: قل لأبي العبّاس بن عطاء احتفظ بتلك الرقاع. ثم قال: كيف دخلت؟ فأخبرته.
فدخل أمير الحبس يرتعد. فقبّل الأرض بين يديه، فقال له: ما لك. قال: سعي بي إلى أمير المؤمنين بأني أخذت رشوة، وخلّيت أميرا من الأمراء وجعلت مكانه رجلا من العامّة. وها أنا ذا أحمل لتضرب عنقي. فقال: امض، لا بأس عليك.
فذهب الرجل، وقام الشيخ إلى صحن الدار، وجثا على ركبته ورفع يديه، وأشار بمسبحته إلى السماء وقال: يا ربّ. ثم طأطأ رأسه حتى وضع خدّه على الأرض، وبكى حتى ابتلّت الأرض من دموعه، وصار كالمغشيّ عليه. وهو على تلك الحالة حتى دخل أمير الحبس وقال: عفي عنّي. قال ابن خفيف: وكان الحلّاج جالسا في طرف الصفّة وفي آخر الصفّة منشفة، وكان طول الصفّة خمسة أذرع. فمدّ يده وأخذ المنشفة فلا أدري أطالت يده أم جاء المنديل إليه فمسح وجهه بها. فقلت: هذا من ذاك.
البحر:
وعن إبراهيم بن شيبان قال: دخلت مكّة مع أبي عبد الله المغربيّ فأخبرنا أنّ ههنا الحلّاج مقيم بجبل أبي قبيس. فصعدناه وقت الهاجرة فإذا به جالس على صخرة والعرق يسيل منه، وقد ابتلّت الصخرة من عرقه. فلمّا رآه أبو عبد الله، رجع وأشار إلينا أن نرجع فرجعنا. ثم قال أبو عبد الله: يا إبراهيم، إن عشت ترى ما يلقى هذا، سوف يبتليه الله ببليّة لا يطيقها أحد من خلقه يتصبّر مع الله.