هنيئا مريئا ولكن بنا ... فنحن لك المأكل المشرب
فإني القويّ وعين القوي ... وإني المقوّى الذي يطلب
فجولوا بميدان أسمائنا ... فميدان أسمائنا ملعب
أفسر قولي بما أشتهي ... لتضمينه كل ما يرغب
فسبحان من كلنا عينه ... ولسنا وليس وما نكذب
وسبب ذلك أن بعض إخوانه كتب إليه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجامع دمشق، في رؤيا طويلة، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تعرفني؟ فقال: نعم. ثم ذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم كلاما طويلا يأمره فيه أن يبلغه إليّ، وفي آخره يقول له: قد أمرناه أن يمتدح الأنصار بنصرهم لي وصحبتهم وليخص منهم سعد بن عبادة ويذكره في شعره وليكن ذلك عن عجل فإذا مدحهم اكتبه في ورقة بخط بيّن وادفعه عند قبر لرجل أسمر اللون اسمه حامد بجدّة عند قبره ليلة الخميس. قال الراوي: فقلت:
نعم يا رسول الله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين حسان بن ثابت؟ فقال حسان: ها أنا ذا يا رسول الله صلى الله عليك، فقال: اذكر له بيتا يبني عليه فقال: نعم.
وقال:
شغف السهاد بمقلتي ومزاري ... فعلى الدموع معوّلي ومشاري
قال صاحب الرؤيا: ثم قال لي: وعيت ما قلنا لك؟ قلت: نعم يا رسول الله صلى الله عليك. فقال: انهض واكتم هذا الحال وقل له يكتمه أيضا، يعني الكلام الذي أمر أن يبلغه إليه وادفع المدح لمن أمرت حيث أمرت ليلة الخميس قال ثم استيقظت. فلما وقف على ما كتب به إليه صاحب الرؤيا قال يمتثل أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما أمره به من مدح الأنصار وما قال إلا ما أملى عليه في خاطره ولم يستعمل في ذلك روية كما جرت عادته في نظمه ونثره وجميع ما يسطره:
قال ابن ثابت الذي فخرت به ... فقر الكلام ونشأة الأشعار
شغف السهاد بمقلتي ومزاري ... فعلى الدموع معوّلي ومشاري
فلذا جعلت رويه الراء التي ... هي من حروف الردّ والتكرار
فأقول مبتدئا لطاعة أحمد ... في مدح قوم سادة أخيار
إني امرؤ من جملة الأنصار ... فإذا مدحتهم مدحت نجاري
لسيوفهم قام الهدى وعلت بهم ... أنواره في رأس كلّ منار
فاموا بنصر الهاشميّ محمد ... ألمصطفى المختار من مختار
صحبوا النبيّ بنية وعزائم ... فازوا بهنّ حميدة الآثار
باعوا نفوسهم لنصرة دينه ... ولذاك ما صحبوه بالإيثار
لهم كنى المختار بالنفس الذي ... يأتيه من يمن مع الأقدار
سعد سليل عبادة فخرت به ... يوم السقيفة جملة الأنصار
لله آساد لكلّ كريهة ... نزلت بدين الله والأبرار
عزوا بدين الله في إعزازهم ... دين الهدى بالعسكر الجرّار
فيهم علا يوم القيامة مشهدي ... وبهم يرى عند الورود فخاري
لو أنني صغت الكلام قلائدا ... في مدحهم ما كنت بالمكثار
كرش النبي وعيبة لرسوله ... لحقت به أعداؤه بتبار
رهبان ليل يقرأون كلامه ... آساد غاب في الوغى بنهار