البحر:
وعن عليّ بن مردويه قال: سمعت الحسين بن منصور قد سلّم من الصلاة فقال: اللهم، أنت الواحد الذي لا يتمّ به عدد ناقص، والأحد الذي لا تدركه فطنة غائص، وأنت {فِي السَّمََاءِ إِلََهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلََهٌ} أسألك بنور وجهك الذي أضاءت به قلوب العارفين، وأظلمت منه أرواح المتمرّدين، وأسألك بقدسك الذي تخصّصت به عن غيرك، وتفرّدت به عمّن سواك، أن لا تسرحني في ميادين الحيرة، وتنجيني من غمرات التفكر، وتوحشني عن العالم، وتؤنسني بمناجاتك، يا أرحم الراحمين.
ثم سكت ساعة وترنّم، ورفع صوته في ذلك الترنّم وقال: يا من استهلك المحبّون فيه، واغترّ الظالمون بأياديه. لا يبلغ كنه ذاتك أوهام العباد، ولا يصل إلى غاية معرفتك أهل البلاد. فلا فرق بيني وبينك إلّا الإلهية والربوبيّة. وكانت عيناه في خلال الكلام تقطر دما. فلمّا التفت إليّ ضحك فقال: يا أبا الحسن خذ من كلامي ما يبلغ إليه علمك، وما أنكره علمك فاضرب بوجهي ولا تتعلّق به، فتضلّ عن الطريق.
البحر:
وعن أبي الحسن عليّ بن أحمد بن مردويه قال: رأيت الحلّاج في سوق القطيعة ببغداد باكيا يصيح: أيّها الناس أغيثوني عن الله، ثلاث مرّات، فإنّه اختطفني منّي وليس يردّني عليّ، ولا أطيق مراعاة تلك الحضرة، وأخاف الهجران فأكون غائبا محروما. والويل لمن يغيب بعد الحضور ويهجر بعد الوصل. فبكى الناس لبكائه حتى بلغ مسجد عتّاب فوقف على بابه وأخذ في كلام فهم الناس بعضه وأشكل عليهم بعضه.
فكان ممّا فهمه الناس أنه قال: أيّها الناس. إنّه يحدّث الخلق تلطّفا فيتجلّى لهم، ثم يستتر عنهم تربية لهم. فلولا تجلّيه لكفروا جملة. ولولا ستره لفتنوا جميعا، فلا يديم عليهم إحدى الحالتين. لكنّي ليس يستتر لحظة فأستريح حتى استهلكت ناسوتيّتي في لاهوتيّته وتلاشى جسمي في أنوار ذاته، فلا عين لي ولا أثر ولا وجه ولا خبر.
الزخرف: .