ولم يبلغ من تفظيع أمر من أمور الجاهلية - أراد الإسلام إبطاله - ما بلغ من تفظيع أمر الربا ، ولا بلغ من التهديد فِي منكر من منكرات كما بلغ فِي شأن الربا ، فالربا فِي نظر الإسلام جريمة الجرائم ، وأساس المفاسد ، وأصل الشرور والآثام ، وهو الوجه الكالح الطالح الذي يقابل الصدقة والبر والإحسان .
الصدقة عطاء وسماحة ، وطهارة وزكاة ، وتعاون وتكافل ... والربا شحّ ، وقذارة ، ودنس ، وجشع ، وأثرة ، وأنانية .
الصدقة نزولٌ عن المال بلا عوضً ولا ردّ ، والربا استرداد للدين ومعه زيادة حرام مقتطعة من جهد المدين أو من لحمه ، جهده إن كان قد عمل بالمال الذي استدانه فربح نتيجة لكدّه وعمله ، ومن لحمه إن لم يربح أو خسر ، أو كان قد أخذ المال للنفقة على نفسه وأهله .
فلا عجب إذاً أن يعده الإسلام أعظم المنكرات والجرائم ، الاجتماعية والدينية ، وأن يعلن على المرابين الحرب {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ} وذلك للأضرار الفادحة والمساوئ التي تترتب عليه ، ويمكننا أن نجمل هنا بعض هذه الأضرار فِي فقرات:
أولاً: ضرر الربا من الناحية النفسية .
ثانياً: ضرر الربا من الناحية الاجتماعية .
ثالثاً: ضرر الربا من الناحية الاقتصادية .
أما ضرر الربا من الناحية النفسية: فإنه يولّد فِي الإنسان حب (الأثرة والأنانية) فلا يعرف إلا نفسه ، ولا يهمه إلا مصلحته ونفعه ، وبذلك تنعدم روح التضحية والإيثار ، وتنعدم معاني حبّ الخير للأفراد والجماعات ، وتحلّ محلها حبّ الذات والأثرة والأنانية ، وتتلاشى الروابط الأخوية بين الإنسان وأخيه الإنسان فيغدوا الإنسان (المرابي) وحشاً مفترساً لا يهمه من الحياة إلا جمع المال ، وامتصاص دماء الناس ، واستلاب ما فِي أيديهم ، ويصبح ذئباً ضارياً فِي صورة إنسان وديع ، وهكذا تنعدم معاني الخير والنبل فِي نفوس الناس ويحل محلها الجشع والطمع .