وقوله: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ(46) .
الأصل أن الرسل - عليهم الصلاة والسلام - لم يكونوا يدعون الخلق إلى ما يستثقله عقل أو طبع، بل كانوا يدعونهم إلى ما يخف ويسهل على الطبع والعقل؛ ليكون أقرب إلى الإجابة له؛ لأنهم كانوا يدعونهم إلى التوحيد، وهم كانوا يعبدون غير واحد من الآلهة، وعبادة الواحد أيسر من عبادة عدد، وكانوا يدعونهم إلى الصدق وإلى مكارم الأخلاق، والإجابة بمثله أمر يسير؛ فيقول: أحملت عليهم أجرًا فثقل عليهم ذلك حتى تركوا الإجابة لك مع تيسيره عليهم، فيخرج ذكر هذا مخرج تسفيه أحلامهم.
وقوله - تعالى -: (أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ(47) .
فهذا يحتمل أوجهًا:
أحدها: أن عندهم علم الغيب، فهم يكتبون، فهذا بالذي ادعوا أنا نجعل المسلمين كالمجرمين، وذلك مكتوب عندهم، أو عند سلفهم علم الغيب، فوجدوه في كتبهم، ويعلم به خلفهم ليخاصموك به، ثم هم قوم لم يكونوا يؤمنون بالكتب ولا بالرسل، فكيف يخاصمونك ويكذبونك فيما تخبرهم؟ وإنما يوصل إلى التكذيب بما ثبت من العلم بخلافه ويتأيد بأحد الوجهين اللذين ذكرناهما.
أو يكون هذا في موضع الاحتجاج عليهم حين زعموا أنا نعبد الأصنام؛ لِيُقَرِّبُونَا إلى اللَّه زلفى، ويكونوا لنا شفعاء، فما الذي حملهم على هذه الدعوى أم عندهم علم الغيب فهم يكتبون؟!
أو أن يكون القوم قد ألزموا أنفسهم الدِّينونة بدين اللَّه - تعالى - وأقروا له بالألوهية، وذلك يلزمهم العمل بما فيه تبجيل اللَّه تعالى، وما به يشكر الخلائق، وذلك لا يعرف إلا بالرسل - عليهم السلام - فقد عرفوا حاجة أنفسهم إلى من يعلمهم علم الغيب، فما لهم امتنعوا عن الإجابة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، مع حاجتهم إليه، أي: ما عندهم علم الغيب؛ فيستغنون به عن الرسول، عليه السلام.