{وَإِنَّ لَكَ} بمقابلةِ مقاساتِكَ ألوانَ الشدائدِ منْ جهتِهِم وتحملِك لأعباءِ الرسالةِ {لأَجْرًا} لثواباً عظيماً لا يُقادَرُ قَدرُهُ {غَيْرُ مَمْنُونٍ} معَ عظمِهِ كقولِهِ تعالَى: {عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} أوغيرَ ممنونٍ عليكَ من جهةِ الناسِ فإنَّهُ عطاؤُه تعالى بلاَ توسطٍ {وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} لا يُدرِكُ شأوَهُ أحدٌ منَ الخلقِ ، ولذلكَ تحتملُ من جهتِهِم ما لا يكادُ يحتملُهُ البشرُ. وسُئلتْ عائشةُ رضيَ الله عنْهَا عن خُلُقِهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فقالتْ:"كان خُلُقه القُرآنَ"ألستَ تقرأُ القُرآنَ. {قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون} والجملتانِ معطوفتانِ على جوابِ القسمِ {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ} قالَ ابنُ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا فستعلمُ ويعلمونَ يومَ القيامةِ حينَ يتبينَ الحقُّ من الباطلِ ، وقيل فستبصرُ ويبصرونَ في الدُّنيا بظهورِ عاقبةِ أمرِكُم بغلبةِ الإسلامِ واستيلائِكَ عليهِم بالقتلِ والنهبِ وصيرورتِكَ مهيباً مُعظماً في قلوبِ العالمينَ وكونِهِم أذلةً صاغرينَ. قالَ مقاتلٌ: هَذا وعيدٌ بعذابِ يومِ بدرٍ {بِأَيّكُمُ المفتون} أي أيكم الذي فُتنَ بالجنونِ ، والباءُ مزيدةٌ أو بأيكم الجنونُ على أنَّ المفتونَ مصدرٌ كالمعقولِ والمجلودِ أو بأيِّ الفريقينِ منكُم المجنونُ أبفريقِ المؤمنينَ أم بفريقِ الكافرينَ أي في أيِّهما يوجدُ من يستحقُّ هَذا الإسمَ وهو تعريضٌ بأبي جهلِ بنِ هشامٍ والوليدِ بنِ المغيرةَ وأضرابِهِمَا ، كقولِهِ تعالَى: {سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الكذاب الأشر} وقولُه تعالَى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} تعليلٌ لما ينبئُ عنهُ ما قبلَهُ من ظهورِ جنونِهِم بحيثُ لا يَخْفى على أحدٍ ، وتأكيدٌ لما فيهِ من الوعدِ والوعيدِ أي هُو أعلمُ بمن ضلَّ عن سبيلِهِ تعالَى المؤدِّي إلى سعادةِ الدارينِ وهامَ في تيهِ الضلالِ