فهذه الآية صلة قوله: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) ، وصلة قوله: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا) ، وقوله: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا) ، ثم في ذكر الإنشاء وجعل السمع والأبصار والأفئدة تذكير قوته وسلطانه وعلمه وحكمته وآلائه وتعاليه عن الأشباه والأمثال:
فوجه تذكيره القوة والسلطان والعلم والحكمة ما يوصف بعد هذا، ويذكر في سورة المرسلات وفي سورة (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ) وسنذكر طرفا من ذلك هاهنا بعون اللَّه تعالى وتوفيقه، فنقول بأن اللَّه تعالى أنشأنا في أظلم مكان وأضيق موضع، بحيث لا ينتهي إليه تدبير البشر وعلومهم وحكمتهم وقواهم؛ لأن علم الخلق لا يجد نفإذا في الظلمات، وكذلك حكمته، ثم إن اللَّه تعالى أنشأه في تلك الظلمات كيف شاء، وأجرى سلطانه وتدبيره على ذلك الشيء؛ ليعلم به أن علمه بالخفيات من الأمور كعلمه بما ظهر منها، ويعرف الخلائق أنه لا يخفى عليه شيء، فيدعوهم ذلك إلى المراقبة في كل ما يسرون وما يعلنون، ويوجب ما ذكرنا نفي تقدير قوته وعلمه وسلطانه بقوى البشر وعلومهم وسلطانهم؛ فيكون فيه إيضاح عن الشبه التي اعترت منكري البعث في أمر البعث، ويحملهم على الإيمان به إذا أمعنوا النظر فيه، وليعلموا أن من بلغت حكمته ما ذكرنا لا يجوز أن يخلقهم سدى لا يخاطبهم ولا ينهاهم بل يتركهم هملا.