قيل: إِن المراد أنه سبحانه بفعل ذلك على التحقيق، ووروده بتلك الصيغة للإِطماع جريا على سنن الملوك من الإِجابة بعسى ولعل ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت، وللإِشعار بأَن تكفير الذنوب تفضُّل والتوبة غير موجبة، وأَن العبد ينبغي أَن يكون في خوف ورجاءٍ وإِن بالغ في وظائف العبادة.
وقبول توبة غير الكافر مسأَلة خلافية بين المعتزلة القائلين: بأَنه يجب على الله قبولها عقلًا، وبين إِمام الحرمين والقاضي أَبي بكر حيث يقولان: بأَنه يجب اعتقاد قبولها سمعا ووعدا لكن بدليل ظني إِذ لم يثبت في ذلك نص قاطع في غفران ذنوب المسلم بالتوبة لا يقبل التأويل والدليل الظني كقوله تعالى {قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ} ، وأَما حديث التوبة تجبُّ ما قبلها فليس بمتواتر، وقيل غير ذلك، والتفصيل تكفل به علم الكلام.
وأَما توبة الكافر فالإِجماع على قبولها قطعا بالسمع لوجود النص كقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) ولأَنه إِذا قطع بقبول توبة الكافر كان ذلك فتحا لباب الإِيمان، وسوقًا إِليه، وإِذا لم يقطع بتوبة المؤمن كان ذلك سدًّا لباب العصيان ومنعا منه.
وبالتوبة النصوح يدخلكم الله - جل شأنه - جنات تجري من تحت قصورها وبين أَشجارها أَنهار تجد فيها النفس ما تهواه وما تشتهيه وذلك (يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) .