أَي: إِن تحقق طلاقكن فحق وواجب أَن يبدل الله رسوله أَزواجًا خيرًا منكن، والخطاب لهن جميعًا على سبيل الالتفات، وأَصله لاثنتين، ولكنه ورد عاما: لأَنهن في منزل الوحي أَو على التغليب أَو لاجتماعهن في الغيرة عليه صلى الله عليه وسلم لما أَخرجه البخاري عن أَنس قال: قال عمر: اجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه فقلت: عسى ربه إِن طلقهن أَن يبدله خيرًا منهن فنزلت هذه الآية وفق قول عمر.
وكون المبدلات خيرًا منهن مع أَن أُمهات المؤمنين خير نساء على وجه الأَرض؛ لأَنه إِن طلقهن لإِيذانهن إِياه لم يبقين كذلك، وكان غيرهن من الموصوفات في الآية بالصفات الكاملة خَيْرًا منهن إِن تزوجهن الرسول، وهذا وعد من الله لرسوله لو طلقهن في الدنيا أَن يزوجه نساءً خيرًا منهن تخويفًا لهن كما في القرطبي.
وليس في الآية ما يدل على أَنه لم يطلق حفصة ولا ما يدل على أَن في النساءِ خيرا منهن فإِن تعليق طلاق الكل لا ينافي تطليق واحدة، والمعلق بما لم يقع لا يجب وقوعه.
وقد روي أَنه صلى الله عليه وسلم طلق حفصة فغلب ما لم يقع من الطلاق على الواقع.
وقد وصف الله هؤلاءِ الزوجات اللاتي سيبدل رسوله صلى الله عليه وسلم بهن فقال: (مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ) مقرات مخلصات أَو منقادات مصدقات (قَانِتَاتٍ) مواظبات على الطاعة - أَو مصليات (تَائِبَاتٍ) مقلعات عن الذنب (عَابِدَاتٍ) متذللات لأَمر الرسول صلى الله عليه وسلم متعبدات (سَائِحَاتٍ) صائِمَاتٍ. سمي الصائم سائحا؛ لأَنه يسبح في النهار بلا زاد، وإِنما يأكل حيث يجد الطعام أَو مهاجرات قال ابن زيد: ليس في الإسلام سياحة إِلاَّ الهجرة، قيل: ذاهبات في طاعة الله كل مذهب (ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) والثيبات جمع ثيب وهي التي زالت عذرتها وسميت بذلك؛ لأَنها ترجع إِلى الزوج بعد زوال عذرتها.
والأَبكار جمع بكر وهي التي لم تفتض ووسط العاطف بينهما لتنافيهما ولو سقط لاختل المعنى. إِن الثيوبة والبكارة لا يجتمعان، وترك العطف في الصفات السابقة؛ لأَنها صفات تجتمع في شخص واحد، وبينهما شدة اتصال يقتضي ترك العطف.