{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ} الآية ، ولا بدَّ أن يكون تحريم الحلال داخلاً تحت هذا الفرض ، لأنه سببه ، وتخصيص محل السبب من جملة العامّ ، ممتنع قطعاً ؛ إذ هو المقصود بالبيان أولاً ، فلو خص لخلا سبب الحكم عن البيان ، وهو ممتنع . وهذا استدلال في غاية القوة ، فسألت عنه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فقال: نعم ! التحريم يمين كبرى في الزوجة ، كفارتها كفارة الظهار ، ويمين صغرى فيما عداها ، كفارتها كفارة اليمين بالله . قال: وهذا معنى قول ابن عباس وغيره من الصحابة ومن بعدهم: إن التحريم يمين يكفَّر .
وقال رحمه الله في"أعلام الموقعين": لا يجوز أن يفرق بين المسلم وبين امرأته بغير لفظ لم يوضع للطلاق ولا نواه ، وتلزمه كفارة يمين حرمه لشدة اليمين ، إذ ليست كالحلف بالمخلوق التي لا تنعقد ، ولا هي من لغو اليمين ، وهي يمين منعقدة ، ففيها كفارة يمين .
ثم قال في المذهب الثالث عشر: إنه يمين يكفره ما كفر اليمين على كل حال ، صحَّ ذلك أيضاً عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن عباس وعائشة وزيد بن ثابت وابن مسعود وعبد الله بن عمر وعكرمة وعطاء ومكحول وقتادة والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وجابر بن زيد وسعيد بن جبير ونافع والأوزاعي وأبي ثور ، وخلق سواهم رضي الله عنهم . وحجة هذا القول ظاهر القرآن ، فإن الله تعالى ذكر فرض تحلة الأيمان عقب تحريم الحلال ، فلا بد أن يتناوله يقيناً ، فلا يجوز جعل تحلة الأيمان لغير المذكور قبلها ، ويخرج المذكور عن حكم التحلة التي قصد ذكرها لأجله .