{لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} وهذا صريح في أن تحريم الحلال قد فرض فيه تحلة الأيمان ، إما مختصاً به ، وإما شاملاً له ولغيره ، فلا يجوز أن يخلي سبب الكفارة المذكورة في السياق عن حكم الكفارة ، ويتعلق بغيره ، وهذا ظاهر الامتناع .
وأيضاً فإن المنع من فعله بالتحريم ، كالمنع منه باليمين ، بل أقوى ؛ فإن اليمين ، إن تضمن هتك حرمة اسمه سبحانه ، فالتحريم تضمن هتك حرمة شرعه وأمره ، فإنه إذا شرع حلالاً فحرمه المكلف ، كان تحريمه هتكاً لحرمة ما شرعه .
ونحن نقول: لم يتضمن الحنث في اليمين هتك حرمة الاسم ، ولا التحريم هتك حرمة الشرع ، كما يقوله من يقوله من الفقهاء ، وهو تعليل فاسد جداً ، فإن الحنث إما جائز ، وإما واجب ، أو مستحب . وما جوز الله لأحد البتة أن يهتك حرمة اسمه ، وقد شرع لعباده الحنث مع الكفارة . وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا حلف على يمين ، ورأى غيرها خيراً منها كفر عن يمينه ، وأتى المحلوف عليه . ومعلوم أن هتك حرمة اسمه تبارك وتعالى لم يبح في شريعة قط ، وإنما الكفارة كما سماها الله تعالى ، تحلة ، وهي تفعلة من الحل ، فهي تحل ما عقد به اليمين ليس إلا . وهذا العقد ، كما يكون باليمين ، يكون بالتحريم . وظهر سر قوله تعالى:
{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} ، عقيب قوله:
{لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}
وقال رحمه الله فيه ، قبلُ: أما من قال: إنه يمين مكفرة بكل حال ، فمأخذ قوله أن تحريم الحلال من الطعام والشراب واللباس يمين يكفر بالنص والمعنى وآثار الصحابة ، فإن الله سبحانه قال: