ثم بين تعالى وصف تلك النار بقوله عز وجل: {وقودها} أي: الذي توقد به {الناس} أي: الكفار {والحجارة} كأصنامهم منها ، وعن ابن عباس أنها حجارة الكبريت ، وهي أشد الأشياء حراً إذا أوقد عليها ، والمعنى أنها مفرطة الحرارة تتقد بما ذكر لا كنار الدنيا تتقد بالحطب ونحوه {عليها ملائكة} خزنتها عدتهم تسعة عشر كما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة المدثر {غلاظ} أي: غلاظ القلوب لا يرحمون إذا استرحموا خلقوا من الغضب ، وحبب إليهم عذاب الخلق كما حبب لبني أدم أكل الطعام والشراب {شداد} أي: شداد الأبدان ، وقيل: غلاظ الأقوال شداد الأفعال يدفع واحد منهم بالدفعة الواحدة سبعين ألفاً في النار ، لم يخلق الله فيهم الرحمة ، وقيل: في أخذهم أهل النار شداد عليهم ، يقال: فلان شديد على فلان ، أي: قوي عليه يعذبه بأنواع العذاب.
وقيل: غلاظ أجسامهم ضخمة شداد ، أي: الأقوياء. قال ابن عباس: ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة ، وقال صلى الله عليه وسلم في خزنة جهنم:"ما بين منكبي كل واحد منهم كما بين المشرق والمغرب" {لا يعصون الله} أي: الملك الأعلى في وقت من الأوقات ، وقوله تعالى: {ما أمرهم} بدل من الجلالة أي: لا يعصون أمر الله ، وقوله تعالى: {ويفعلون ما يؤمرون} تأكيد ؛ هذا ما جرى عليه الجلال المحلي. وقال الزمخشري: فإن قلت: أليست الجملتان في معنى واحد؟ قلت: لا فإن معنى الأولى أنهم يقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها ، ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به لا يتثاقلون عنه ، ولا يتوانون فيه. وقيل: لا يعصون الله ما أمرهم الله فيما مضى ويفعلون ما يؤمرون فيما يستقبل ، وصدر بهذا البيضاوي.
فإن قيل: إنه تعالى خاطب المشركين في قوله تعالى: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين} (البقرة: (فجعلها معدة للكافرين فما معنى مخاطبته للمؤمنين بذلك ؟