فالشر لا ينسب إلى الله لا فعلاً ولا تقديراً، ولا حكماً ولا إرادة، بل الشر في مفعولاته سبحانه لا في فعله.
ففعله كله خير، فالابن حين يشتكي المرض ويحتاج إلى كي، فإن أباه يكويه بالنار، فالمفعول الذي هو الكي شر، لكن الفعل خير، لأنه يعقبه الشفاء بإذن الله.
ثم إن ما يقدره لا يكون شراً محضاً، بل في محله وزمانه فقط، فإذا أخذ الله الظالم أخذ عزيز مقتدر صار ذلك شراً بالنسبة إليه، أما لغيره ممن يتعظ به فيكون خيراً.
وقطع يد السارق لا شك أنه شر عليه، لكنه بالتأمل خير بالنسبة له وبالنسبة لغيره.
أما بالنسبة له، فإن قطعها يسقط عنه العقوبة في الآخرة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وهو أيضاً خير بالنسبة لغير السارق، لأن فيه ردعاً لمن أراد أن يسرق، وفيه أيضاً حفظ الأموال.
والحق والخير ينتشران بالتعاون .. والشر والباطل ينتشران بالتعصب، لذلك أعمال الدين تقوم على الشورى، فكل محتاج إلى الآخر في إقامة الدين كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً» متفق عليه.
والله تبارك وتعالى أصلح الأرض بما خلق فيها، وما خلق على ظهرها، من
الأشياء والأسباب التي تلائم الإنسان.
وأصلحها ببعثة الرسل، وإنزال الكتب، وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله وتوحيده والإيمان به، وعبادته وحده لا شريك له.
إن فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك بالله، ومخالفة أمره كما قال سبحانه: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) } [الروم: 41] .
وقد نهانا الله عزَّ وجلَّ عن الفساد في الأرض بقوله سبحانه: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) } [الأعراف: 85] .
ولا صلاح للأرض وأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود، ورسوله هو المتبوع، وشرعه هو الذي يحكم حياة الناس.
ومن تأمل أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته، وطاعته وطاعة رسوله.