وأرزاق الأحياء مخفية وراء الأسباب التي أمرنا الله بها، ولكن الله يعطي إذا شاء بغير حساب، وبغير أسباب، لمن شاء من عباده كما قال سبحانه عن مريم: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) } [آل عمران: 37] .
فالأسباب ليس بيدها شيء، ولكنها وسيلة للحصول على الرزق الذي كتبه الله للعبد، ولذلك أمرنا الله بذكره عند مباشرة الأسباب كما قال سبحانه: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) } الجمعة: 10]
فالأرزاق كلها بيد الرزاق وحده، والأسباب وسيلة للوصول إليها، والله خالق
الرزق، وخالق المرزوق، وخالق السبب الموصل إلى الرزق: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) } [الأنعام: 102] .
والاستعانة بالله في كل عمل استعانة بالقادر الذي لا يعجزه شيء، ورد الفعل إلى الفاعل الذي بيده كل شيء.
فالأسباب تعمل بأمر الله، ونسبة العمل إلى الأسباب وحدها تبعدنا عن الله سبحانه.
فالله مالكها، ومالك الكون كله، وهي لا تخرج عن تدبيره وأمره.
ولقد مكن الله بعض خلقه من الأسباب الظاهرة في الأرض، فهذا رئيس دولة .. وهذا ميسر له أسباب النفوذ والسلطان .. وهذا ميسر له أسباب المال، وجعل الله العطاء ظاهراً فقط من هذه الأسباب ليسير الكون فماذا حدث؟.
لقد ظن أكثر الناس أن عطاء الأسباب في يد هؤلاء وحدهم، وأن مخالفتهم ستؤدي إلى الحرمان من مقومات الحياة، وأن طاعتهم ولو في معصية الله ستعطي الإنسان الحياة الرغدة التي يتمناها، فماذا حصل؟.
لقد وقف الناس بأبوابهم لا يرجون إلا إياهم، ولا يخافون إلا منهم، وازدحم الناس على باب العبد الفقير، أما باب الملك الغني القوي العزيز فقلما يقف عليه أحد، وهذه خطورة الأخذ بالأسباب وحدها.