ويعطي بضد الأسباب ليعلم العباد أن الله على كل شيء قدير، يفعل ما يشاء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، كما جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، وأخرج الماء من الحجر لموسى وقومه.
ولا يقع في هذا الوجود شيء إلا بإذن الله، والأسباب تفعل فعلها، وتظهر آثارها بإذن الله.
فلو عرض الإنسان يده للنار فإنها تحترق، ولكن هذا الاحتراق لا يكون إلا بإذن الله، فالله هو الذي أودع النار خاصية الحرق، وأودع يدك خاصية الاحتراق بها.
وهو سبحانه قادر أن يوقف هذه الخاصية حين لا يأذن لحكمة يريدها، كما وقع لإبراهيم - صلى الله عليه وسلم - حين ألقي في النار، فالنار تشتعل ولكن الله منعها من حرق إبراهيم، بل جعلها برداً وسلاماً عليه كما قال سبحانه: {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) } [الأنبياء: 69] .
وكذلك السحر الذي يفرقون به بين المرء وزوجه ينشئ هذا الأثر بإذن الله، والله قادر أن يوقف هذا الأثر فيه حين لا يأذن لحكمة يريدها كما قال سبحانه عن
السحرة: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} [البقرة: 102] .
والأمر كله لله، والله لا مقيد لمشيئته، فالمشيئة التي تريد النتيجة، هي ذاتها التي تيسر الأسباب.
فلا تعارض بين تعليق النصر بالمشية ووجود الأسباب، وهذا الكون وما يجري فيه كله يسير وفق مشيئة الله: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) } [الروم: 4، 5] .
فالعقيدة الصحيحة ترد الأمر كله لله، ولكنها لا تعفي البشر من الأخذ بالأسباب المشروعة، والتي من شأنها أن تظهر النتائج إلى عالم الشهادة والواقع بأمر الله.
أما إن تحقق تلك النتائج فعلاً أو لا تحقق فليس داخلاً في التكليف، لأن مرد ذلك في النهاية إلى تدبير الله، فالتوكل مقيد بالأخذ بالأسباب، ورد الأمر بعد ذلك إلى الله وحده، وهذا محل الابتلاء.