ومن سنته كذلك جعل الأسباب في أيدي أعداء الله، لأن أعداء الله اعتمادهم على غير الله من الأسباب كالملك والمال والسلاح ونحوها.
ومن سنته كذلك إعطاء الفقر والمسكنة لأنبياء الله وأتباعهم، لأن اعتمادهم على الله، ليس على الملك والمال والأساب كما قال سبحانه: {قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (29) } [الملك: 29] .
فاعتماد المؤمنين في كل شيء على الله، واعتماد الكفار على الأسباب، والأسباب بدون الإيمان سبب للهلاك كما قال سبحانه: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ
مُبْلِسُونَ (44) [الأنعام: 44] .
والكفار يستعملون هذه الأسباب التي أعطاهم الله في عداوة المؤمنين وإيذائهم، والله سبحانه يأمر المؤمنين بالصبر عليهم، والله قادر أن يهلكهم بالحر او البرد أو بالحجارة أو يحرقهم بالنار أو يغرقهم بالماء، أو يخسف بهم الأرض أو بغير ذلك.
وكانت مثل هذه الأحوال في مكة، فقد أوذي النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن آمن معه، وظلموا وعذبوا، وفي كلها أمرهم الله بالصبر، وتحمل الأذى والدعوة والرحمة كما قال سبحانه: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (60) } [الروم: 60] .
وهذا الصبر ليس بسبب الضعف، بل ليلقي في قلوب المؤمنين والدعاة الشفقة والرحمة على الناس أكثر من شفقة الأم على ولدها، الذي يؤذيها فترحمه، لأنها تعلم ما لا يعلم.
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يتفكر ويعمل لهداية الناس، وأعداؤه يتفكرون ويعملون للقضاء عليه.
همُّ الرسول وفكره في هدايتهم .. وفكرهم وهمهم لجهلهم لقتله، وشتان بينهما.
فقلبه - صلى الله عليه وسلم - مملوء رحمةً وإيماناً وعلماً، وقلوبهم مملوءة غلظةً وكفراً وجهلاً وظلماً.
وكلما زادوا في أذاه ازداد رحمةً لهم وشفقةً عليهم، ولم تأت في قلبه عاطفة الانتقام لنفسه.