والمعنى: النهي لهم عن أن يسلكوا سبيل اليهود والنصارى الذين أوتوا التوراة والإنجيل من قبل نزول القرآن. {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ} ؛ أي: طال عليهم الزمان بينهم وبين أنبيائهم، أو الأعمار والآمال، وغلبهم الجفاء والقسوة، وزالت عنهم الروعة التي كانت تأتيهم من التوراة والإنجيل إذا تلوهما أو سمعوهما. وقرأ الجمهور {الْأَمَدُ} بتخفيف الدال. وهي الغاية من الزمان. وقرأ ابن كثير في رواية عنه بتشديدها. وهو الزمان بعينه الأطول. وقيل: المراد بالأمد على القراءة الأولى: الأجل والغاية، يقال: أمد فلان كذا؛ أي: غايته. {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} ؛ أي: تصلبت وغلظت بذلك السبب بحيث لا تنفعل للخير والطاعة، فهي كالحجارة أو أشد قسوة. فلذلك حرفوا وبدلوا. فنهى الله سبحانه أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يكونوا مثلهم. {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ} ؛ أي: من أهل الكتاب {فَاسِقُونَ} ؛ أي: خارجون عن طاعة الله تعالى؛ لأنهم تركوا العمل بما أنزل إليهم، وحرفوا، وبدلوا، ولم يؤمنوا بما نزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - لفرط الجفاء والقسوة. قيل: هم الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد - صلى الله عليه وسلم - . وقيل: هم الذين ابتدعوا الرهبانية. وهم أصحاب الصوامع.
وفيه: إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفسق في آخر الأمر، وروي عن عيسى عليه السلام قال: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى فتقسوا قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله تعالى، ولا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس رجلان: مبتلى ومعافى. فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية.