ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ...) الآية.
أي: لا تكونوا كالذين كانوا من قبلكم من أهل الكتاب، (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ) . أي: طال عليهم أن ينظروا في كتبهم؛ (فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) بطول ترك نظرهم فيها، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن تكون الآية في المؤمنين الذين حققوا الإيمان باللَّه ورسوله، وهو يخرج على وجهين:
أحدهما: (أَلَمْ يَأْنِ) ، أي: قد أنى للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم عند ذكر اللَّه بالنظر والتأمل في ذلك؛ فيحملهم ذلك على خشوع قلوبهم عند ذكر اللَّه، ويزداد لهم الإيمان واليقين؛ للنظر فيه والتفكر، وفهم ما فيه، واللَّه أعلم.
والثاني: (أَلَمْ يَأْنِ) ، أي: قد أنى للذين آمنوا أن تقطع شهواتهم وأمانيهم في الدنيا، وتخشع قلوبهم لذكر اللَّه، (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) ، أي: لا تغفلوا عن كتاب الله وذكره ولا تتركوا النظر فيه والتفكر، كالذين غفلوا عما فيه؛ فقست قلوبهم فلا تكونوا أنتم كهم؛ فتقسوا قلوبكم كما قست قلوبهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) ، أي: كثير من أُولَئِكَ الذين أوتوا الكتاب فاسقون؛ لتركهم النظر في الكتاب.
وجائز (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) . أي: المعاندون، والقليل منهم المقلدون؛ وهو كقوله: (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) ، أي: معاندون، وهم الرؤساء والقادة الذين كابروا الرسل وعاندوهم إلا قليل منهم اتبعوهم وقلدوهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(17) .