بلى والله إن العاقل ليبادر السلامة، فيدخر من زمنها للزمن، ويتزود عند القدرة على الزاد لوقت العسرة.
خصوصاً لمن قد علم أن مراتب الآخرة إنما تعلو بمقدار علو العلم لها، وأن التدارك بعد الفوت لا يمكن.
وقدر أن العاصي عفى عنه، أينال مراتب العمال؟.
ومن أجال على خاطره ذكر الجنة التي لا موت فيها ولا مرض ولا نوم ولا غم، بل لذاتها متصلة من غير انقطاع، وزيادتها على قدر زيادة الجد ههنا انتهب هذا الزمان فلم ينم إلا ضرورة، ولم يغفل عن عمارة لحظة.
ومن رأى أن ذنباً قد مضت لذته وبقيت آفاته دائمة كفاه ذلك زاجراً عن مثله، خصوصاً الذنوب التي تتصل آثارها مثل أن يزني بذات زوج، فتحمل منه فتلحق بالزوج فيمنع الميراث أهله ويأخذه من ليس من أهله، وتتغير الأنساب والفرش، ويتصل ذلك أبداً، وكله شؤم لحظة.
فنسأل الله عز وجل توفيقاً يلهم الرشاد، ويمنع الفساد إنه قريب مجيب.
{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) }
الْمَرْءُ يُصَابُ مَصَائِبُ لَا تَنْقَضِي ... حَتَّى يُوَارَى جِسْمه فِي رمسه
فمؤجل يَلْقَى الرَّدَى فِي غَيْرِهِ ... وَمُعَجَّلٌ يَلْقَى الرَّدَى فِي نَفْسِهِ
وَعِلاجُ فَقْدِ الْمَحْبُوبِ بِثَمَانِيَةِ أَشْيَاءٍ
أَحَدِهَا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْقَدَرَ قَدْ سَبَقَ بِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ}
وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَصَائِبَ مُقَدَّرَةٌ لَا أَنَّهَا وَقَعَتْ عَلَى وَجْهِ الاتِّفَاقِ كَمَا يَقُول الطباعيون وَلا أَنَّهَا عَبَثٌ بَلْ هِيَ صَادِرَةٌ عَمَّنْ صَدَرَتْ عَنْهُ مُحْكَمَاتُ الأُمُورِ وَمُتْقَنَاتُ الأَعْمَالِ وَإِذَا كَانَتْ صَادِرَةٌ عَنْ تَدْبِيرِ حَكِيمٍ لَا يَعْبَثُ إِمَّا لِزَجْرٍ عَنْ فَسَادٍ أَوْ لِتَحْصِيلِ أَجْرٍ أَوْ لِعُقُوبَةٍ عَلَى ذَنْبٍ وَقَعَ التَّسَلِّي بِذَلِكَ.
الثَّانِي: الْعِلْمُ بِأَنَّ الدُّنْيَا دَارُ الابْتِلاءِ وَالْكَرْبِ لَا يُرْجَى مِنْهَا رَاحَةٌ
وَمَا اسْتَغْرَبَتْ عَيْنِي فِرَاقًا رَأَيْتُهُ ... وَلا أَعْلَمَتْنِي غَيْرَ مَا الْقَلْبُ عَالِمُهُ