وكذلك الشيطان يوجه ويحرك آلافاً من العلماء والدعاة، وطلبة العلم ويزين لهم الانتصار للنفس لا للدين، ويستعملهم في الجدل والمراء، ويغمسهم في السمعة والرياء، ويزين لهم الفتاوى الشاذة، ويحسِّن لهم أكل الدنيا بالدين، والازدحام على أبواب المناصب، وبذل الجهود من أجلها لنفع الدين من خلالها، وهيهات أن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، بالهدى والرحمة، والشفقة والتواضع، والعدل والإحسان، والبر والتقوى وغير ذلك من شعب الإيمان ومحاسن الأخلاق.
وكل ما أوجب فتنة وفرقة فليس من الدين، سواء كان قولاً أو فعلاً.
ولا تقع الفتنة إلا من ترك ما أمر الله به، فالله سبحانه أمر بالحق وأمر بالصبر.
فالفتنة إما من ترك الحق .. وإما من ترك الصبر.
فالمظلوم إذا صبر واتقى كانت العاقبة له كما قال سبحانه: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) } [آل عمران: 120] .
وقد أمرنا الله عزَّ وجلَّ بالصبر على البلاء، والصبر على أذى أهل الكتاب والمشركين، تنبيهاً على الصبر على أذى المؤمنين بعضهم لبعض كما قال سبحانه: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) } [آل عمران: 186] .
وقد أمرنا الله عزَّ وجلَّ بالعدل مع الكفار مع بغضهم، فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع متأول من أهل الإيمان، فاتقوا الله أيها المؤمنون: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) } [المائدة: 8] .
والكفر والفسوق والعصيان سبب لكل شر وعدوان.
فقد يذنب الرجل أو الطائفة، ويسكت آخرون عن الأمر والنهي فيكون ذلك من ذنوبهم، وينكر عليهم آخرون إنكاراً منهياً عنه، فيكون ذلك من ذنوبهم.