"بحق أقول لكم إن أكل الخبز وشرب الماء العذب ونوما على المزابل مع الكلاب كثير لمن يريد أن يرث الفردوس"
وفى المسند عنه:
"إن الله ضرب طعام ابن آدم مَثَلًا لِلدُّنْيَا، وَإِنْ قَزَّحَهُ، وَمَلَّحَهُ فَانْظُرُوا إِلَى مَا يَصِيرُ".
(فصل)
ثم أخبر سبحانه وتعالى عنها أنها يفاخر بعضنا بعضا بها فيطلبها ليفخر بها على صاحبه.
وهذا حال كل من طلب شيئا للمفاخرة من مال أو جاه أو قوة أو علم أو زهد والمفاخرة نوعان مذمومة ومحمودة فالمذمومة مفاخرة أهل الدنيا بها والمحمودة أن يطلب المفاخرة في الآخرة، فهذه من جنس المنافسة المأمور بها وهي أن الرجل ينفس على غيره بالشيء ويغار أن يناله دونه ويأنف من ذلك ويحمى أنفه له يقال نفست عليه الشيء أنفسه نفاسة إذا ضننت به ولم تحب أن يصير إليه دونك والتنافس تفاعل من ذلك كأن كل واحد من المتنافسين يريد أن يسبق صاحبه إليه وحقيقة المنافسة الرغبة التامة والمبادرة والمسابقة إلى الشيء النفيس.
(فصل)
ثم أخبر تعالى عنها أنها تكاثر في الأموال والأولاد فيحب كل واحد أن يكاثر بني جنسه في ذلك ويفرح بأن يرى نفسه أكثر من غيره مالا وولدا وأن يقال فيه ذلك، وهذا من أعظم ما يلهي النفوس عن الله والدار الآخرة كما قال تعالى {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ}
والتكاثر في كل شيء، فكل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة فهو داخل في حكم هذه الآية.
فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم فيجمعه تكاثرا وتفاخرا وهذا أسوأ حالا عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها
(فصل)
ثم أخبر سبحانه عن مصير الدنيا وحقيقتها وأنها بمنزلة غيث أعجب الكفار نباته والصحيح إن شاء الله أن الكفار هم الكفار بالله.
وذلك عرف القرآن حيث ذكروا بهذا النعت في كل موضع ولو أراد الزراع لذكرهم باسمهم الذي يعرفون به كما ذكرهم به في قوله يعجب الزراع وإنما خص الكفار به لأنهم أشد اعجابا بالدنيا فإنها دارهم التي لها يعملون ويكدحون فهم أشد اعجابا بزينتها وما فيها من المؤمنين.