اختلف المفسرون في قوله تعالى: {فلا أقسم} وكيف نجمع بين هذا اللفظ الذي صورته"نفي القسم"وبين قوله: {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} الذي هو صريح في إثبات القسم؟ على عدة أقوال:
1 -قال بعضهم: وهم الجمهور إن (لا) زائدة زيدت للتأكيد ، مثلها في قوله تعالى: {لئلا يعلم أهل الكتاب} [الحديد: 29] أي ليعلم ، وقول الشاعر:
تذكرت ليلى فاعترتني صبابة ... وكان نياط القلب لا يتقطع
أي كاد يتقطع .
ب - وقال آخرون: إن (لا) هنا هي لام القسم أشبعت فتحتها فتولدت الألف نظير الألف في قول الشاعر:"أعوذ بالله بمن العقراب"ويكون معنى الآية:"لأقسم".
وهذا الرأي ضعيف لأن النحاة يقولون: إذا كان الفعل مستقبلا في حيز القسم وجب اتصال نون التوكيد به وحذفها ضعيف جدا تقول مثلا"لأفعلن"ومثله قوله تعالى: {وتالله لأكيدن أصنامكم} [الأنبياء: 57] ولا تقول: لأفعل .
ج - وقال آخرون: هي (للنفي) وهو نفي لمحذوف هو ما كان يقوله الكفار: إن القرآن سحر ، أو شعر ، أو كهانة ، ويكون حاصل لمعنى: لا صحة لما يقولون ، أقسم بمواقع النجوم ، ويكون الأمر فيه نفيا لكلام سابق ، وابتداء بكلام مستأنف .
وهذا الرأي ضعيف أيضا لأن النحاة يقولون: إن اسم (لا) وخبرها لا يصح حذفهما إلا إذا كانا في جواب سؤال ، ثم إنه في مثل هذه الحالة يتعين العطف بالواو كما يقال: هل شفي فلان من مرضه؟ فيقال: لا وشفاه الله ... إلخ .
د - واختار الفخر الرازي رأيا آخر خلاصته: أن (لا) نافية باقية على معناها ، وأن في الكلام"مجازا تركيبيا"وخلاصة المعنى أن نقول: لا حاجة إلى القسم لأن الأمر أظهر وأوضح من أن يقسم عليه ، وهذا الرأي جميل لأنه لا يراد به نفي القسم حقيقة بل الإشارة إلى أنه من الجلاء والوضوح بحيث لا يحتاج إلى قسم .
الحكم الثاني: ما المراد بالكتاب المكنون في الآية الكريمة؟
اختلف الفسرون في المراد بالكتاب المكنون .