ولما ذكر سبحانه هذين الجنسين اللذين أحدهما ظاهر والآخر مستتر ، إرشاداً إلى التأمل فيما فيهما من الدلالة على كمال قدرته ، فكانا محتاجين إلى ما هما فيه من المحل ، وكان صلاحه مما دبر سبحانه فيه من منازل الشروق الذي هو سبب الأنوار والظهور ، والغروب الذي هو منشأ الظلمة والخفاء ، أتبعه قوله منبهاً على النظر في بديع صنعه الدال على توحيده: {رب} أي هو خالق ومدير {المشرقين} ومدبرهما على كيفية لا يقدر على شيء منها غيره {ورب المغربين} كذلك ، وهذه المشارق والمغارب هي ما للشتاء من البروج ، السافلة الجنوبية التي هي سبب الأمطار والثلوج ، التي هي سبب الحياة والظهور ، حال كون الشمس منحدرة في آفاق السماء ، وما للصيف من البروج العالية في جهة الشمال التي هي سبب التهشم والأفول والشمس مصعدة في جو السماء ، وما بينهما من الربيع الذي هو للنمو ، والخريف الذي هو للذبول ، فهي آية الإيجاد والإعدام ، فأول المشارق الصيف وقت استواء الليل والنهار عند حلول الشمس بأول البروج الشمالية صاعدة وهو الكبش ، يعتدل الزمان حينئذ بقطعها الجنوبية واستقبالها الشمالية ، ثم آخر مشارقه إذا كانت الشمس في آخر الشمالية وأول الجنوبية عند حلولها برأس الميزان يعتدل الزمان ثانياً لاستقبالها البروج الجنوبية ، ثم بحلولها بآخر القوس ورأس الجدي يكون الانتهاء في قصر الأيام وطول الليالي لتوسطها البروج الجنوبية ، ثم بحلولها كذلك عند خروجها من برج التوأمين إلى السرطان من بروج الشمال ، وهي آخر درجات الشمس ، يكون طول الأيام وقصر الليالي ، فيختلف على هذين الفصلين الحر والبرد ، وكون الشمس في أول برج الحمل هو بمثابة طلوعها من المشرق في أول كل نهار ، وكونها في الاعتدال الثاني عند استقبالها البروج الجنوبية إذا حلت برأس الميزان هو بمثابة غروبها ، ثم بكونها في الانتهائين في طول الأيام حين حلولها برج السرطان هو بمنزلة استوائها في الصيف في كبد