يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ تصوير لتوفيهم، أي يتوفونهم وهم يضربون وجوههم وظهورهم بمقامع من حديد، وفي هذا تخويف وتهديد، إذ يتعرضون عند التوفي إلى أهوال وفظائع تشبه ما يجبنون عن القتال له ويخافون منه.
ذلِكَ التوفي الموصوف بالحالة المذكورة بِأَنَّهُمُ بسبب أنهم اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ من الكفر وكتمان نعت الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم وعصيان الأمر وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ كرهوا العمل بما يرضيه من الإيمان والجهاد وغيرهما من الطاعات فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ أبطلها.
أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ أن لن يبرز اللَّه تعالى لرسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم والمؤمنين أحقادهم، والأضغان: جمع ضغن أي حقد شديد لَأَرَيْناكَهُمْ أي عرّفناكهم بدلائل تعرفهم بأعيانهم، واللام لام الجواب، وكررت في المعطوف الآتي: فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ أي بعلامتهم، والفاء هنا فاء التفريع وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ جواب قسم محذوف، أي وو اللَّه لتعرفنهم لَحْنِ الْقَوْلِ أسلوبه ومعناه، أو إمالته عن وجهه الصريح إلى التعريض والتورية، فإذا تكلموا عندك عرّضوا بما يعيب أمر المسلمين وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ فيجازيكم على حسب قصدكم، إذ الأعمال بالنيات.
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ لنختبرنكم بالجهاد وسائر التكاليف الشاقة أي نعاملكم معاملة المختبر بالجهاد حَتَّى نَعْلَمَ علم ظهور وانكشاف، أما العلم الحقيقي فهو متوفر بالنسبة لله وَالصَّابِرِينَ في الجهاد وغيره من المشاق وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ نظهر حسن أعمالكم وقبحها، وطاعتكم وعصيانكم في الجهاد وغيره، أو أخباركم عن الإيمان وموالاة المؤمنين صدقا وكذبا.
المناسبة:
بعد بيان حال إعراض المنافقين عن الخير واستماع القرآن، أمرهم تعالى بتدبر القرآن، ونهاهم عن الإعراض عنه كيلا يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات، ثم أخبر أنهم رجعوا وارتدوا إلى الكفر بعد ما تبين لهم حقيقة الإسلام بالدلائل الواضحة، أو نعت محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم في التوراة بالمعجزات الباهرة، وأوضح سبب ردتهم وهو قولهم ليهود بني قريظة والنضير: سنطيعكم في بعض الأمور والأحوال.