وأما دليل جواز قتل الأسير: فقال أبو بكر الجصاص: اتفق فقهاء الأمصار على جواز قتل الأسير، لا نعلم بينهم خلافا فيه، وقد تواترت الأخبار عن النّبي صلّى اللَّه عليه وسلّم في قتله الأسير، منها قتله عقبة بن أبي معيط، والنّضر بن الحارث بعد الأسر يوم بدر، وقتل- أي النّبي- يوم أحد أبا عزّة الشاعر بعد ما أسر، وقتل بني قريظة بعد نزولهم على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بالقتل، وسبي الذّرّيّة، ومنّ على الزبير بن باطا من بينهم.
وفتح خيبر بعضها صلحا وبعضها عنوة، وشرط على ابن أبي الحقيق ألا يكتم شيئا، فلما ظهر على خيانته وكتمانه قتله. وفتح مكة وأمر بقتل هلال بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح وآخرين، وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة. ومنّ على أهل مكة ولم يغنم أموالهم.
وأما دليل جواز استرقاق الأسرى الذي كان معاملة بالمثل مع صنيع الأمم الأخرى بعد الحرب: فهو أن الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم استرق بعض العرب كهوازن وبنى المصطلق وقبائل من العرب، وسبى أبو بكر وعمر رضي اللَّه عنهما
بني ناجية من قريش، وفتحت الصحابة بلاد فارس والروم، فسبوا من استدلوا عليه.
وأما الاستدلال بالآية: حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ على جواز قتل الأسير فغير سديد، لأن الآية واضحة في القتل قبل الأسر، وأما بعد الإثخان وهو الإضعاف، فإن المحارب يقع في الأسر، وحكم ذلك مختلف عما قبل الأسر.
وقد فهم بعضهم من الآية جواز الاسترقاق، وذلك من الأمر بشدّ الوثاق، ويبقى بعده حالان، هما: المنّ والفداء.
قال ابن عباس في قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ: ذلك يوم بدر، والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم، أنزل اللَّه تعالى بعد هذا في الأسارى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ، وَإِمَّا فِداءً فجعل اللَّه النّبي والمؤمنين في الأسارى بالخيار: إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم، وإن شاؤوا فادوهم. أي يفعل الإمام ما يراه مصلحة حربية.