قلت: وهذا الحَصْرُ منه غيرُ مُسَلَّمٍ فإنَّ في الآيةِ تخريجاتٍ أُخَرَ غيرَ ما ذكره ابن السراج يجوزُ الحَمْلُ عليها . وقال الزجاج:"ومثلُه في الشعر:"
4024 أكلَّ أمرِئٍ تَحْسَبين امْرَأً ... ونارٍ تَوَقَّدُ بالليلِ نارا
وأنشد الفارسيُّ للفرزدق:
4025 وباشَرَ راعيها الصَّلا بلَبانِه ... وجَنْبَيْه حَرَّ النارِ ما يتحرَّق
وقول الآخر:
4026 أَوْصَيْتُ مِنْ رُبْدَةَ قَلْباً حُرَّاً ... بالكلبِ خيراً والحَماةِ شَرا
قلت: أمَّا البيتُ الأولُ فظاهرُه أنه عَطَفَ و"نارٍ"على"امرئ"المخفوض ب"كل"و"ناراً"الثانية على"أمرَأ"الثاني . والتقدير: وتحسبين كلَّ نارٍ ناراً ، فقد عطف على معمولَيْ عاملَيْن . والبيتُ الثاني عَطَفَ فيه"جَنْبَيْه"على"بلبانه"وعَطَفَ"حَرَّ النارِ"على"الصلا"، والتقدير: وباشر بجَنْبَيْه حرَّ النار ، والبيتُ الثالث عَطَفَ فيه"الحَماة"على"الكلب"و"شَرًّا"على"خيراً"، تقديرُه وأَوْصَيْتُ بالحَماة شراً . وسيبويه في جميع ذلك يرى الجرَّ بخافضٍ مقدرٍ لكنه عُورض: بأنَّ إعمال حرفِ الجرِّ مضمراً ضعيفٌ جداً ، ألا ترى أنَّه لا يجوزُ"مررتُ زيدٍ"بخفضِ"زيد"إلاَّ في ضرورةٍ كقولِه:
4027 إذا قيلَ أيُّ الناسِ شرُّ قبيلةٍ ... أشارَتْ كليبٍ بالأكفِّ الأصابعُ
يريد: إلى كليب ، وقولِ الآخر:
4028 - ... ... ... ... ... ... حتى تَبَذَّخَ فارتقى الأعلامِ
أي إلى الأعلام ، فقد فَرَّ مِنْ شيءٍ فوقَع في أضعفَ منه . وأُجيب عن ذلك: بأنه لَمَّا تَقَدَّم ذِكْرُ الحرف في اللفظِ قَوِيَتِ الدلالةُ عليه ، فكأنَّه ملفوظٌ به بخلافِ ما أَوْرَدْتموه في المثالِ والشعر .