قال الآلوسي: ولعل المُثْبتين لأنفسهم الظن من غير إيقان بأمر الساعة غير القائلين: {إن هي إلا حياتنا الدنيا .. } الآية فإن ذلك ظاهر في أنهم منكرون للبعث جازمون بنفي الساعة، فالكفرة صنفان: صنف جازمون بنفيها كأئمتهم، وصنف مترددون متحيرون فيها، فإذا سمعوا ما يُوثر عن آبائهم أنكروها، وإذا سمعوا الآيات المتلوة تقهقر إنكارهم فترددوا، ويحتمل اتحاد قائل ذاك وقائل هذا إلا أن كل قول في وقت وحال، فهو مضطرب مختلف الحالات، تارة يجزم بالنفي فيقول: {إن هي إلا حياتنا الدنيا .. } الآية، وأخرى يظن فيقول: {إن نظن إلا ظنا} إ هـ: آلوسي بتصرف.
33 - {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} :
وظهر حينئذ لهؤلاء الكفار سيئات ما عملوا، أي: قبائح أعمالهم، فإن العقوبة دليل على ذلك، أو سيئات ما عملوا، أي: جزاء أعمالهم السيئات وأحاط بهم من كل جانب العذاب والنكال جزاء استهزائهم بآيات الله وسخريتهم منها.
34 - {وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} :
وقيل لهؤلاء المشركين من قبل رب العزة توبيخًا وتقريعًا: اليوم نترككم في العذاب كما تركتم الاستعداد للقاء ربّكم في هذا اليوم بالتقوى والإيمان، ونجعلكم بمنزلة الشيء المنسى الذي لا يبالى به كما لم تُبالوا أنتم بلقاء ربكم هذا ولم تخطروه ببال فأنتم كالشيء الذي يطرح نسيا منسيا، ومقرّكم ومنزلكم النار، وليس لكم من ناصرين ينقذونكم من عذابها ولا مانعين لكم ومدافعين عنكم من ويلاتها وعقابها.
وقد ثبت في الصحيح أن الله يقول لبعض العباد: ألم أزوّجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسَخِّر لك الخيل والابل؟ فيقول: بلى يا ربّ، فيقول: أظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا فيقول الله - تعالى:"فاليوم أنساك كما نسيتني"ذكره ابن كثير.
35 - {ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} :