لذلك إذا وقفتَ مدة طويلة تتعب وتبادل بين قدميك في الوقوف، ثم يزيد الحِمْل على القدمين إنْ أضفت إلى القيام المشي، ثم يزيد إذا أضفتَ على المشي شيئاً تحمله، وهكذا.
فإذا تعب الإنسانُ فأول شيء يضع الحِملَ الذي يحمله ليخفَ الحمل على القدمين، ثم يتوقف عن المشي ليقلّل المجهود، ثم يقعد، وبعد ذلك يضطجع فيلقي بكل جسمه على الأرض، وهذا الوضع يضمن منتهى الراحة للبدن.
لكن هذا التصوير القرآني في جاثية أو جاثمة لا يدل على الراحة، إنما يدل على الخضوع والذلَة والانكسار وشدة الخوف الذي يجعل الإنسان والعياذ بالله يلتصق بالأرض، أو يجثو على ركبتيه من شدة الخوف.
فالحق سبحانه يُصوِّر هذا الموقف تصويراً لفظياً يُشعرك بفظاعة الموقف وشدة كربه، ولك أنت أنْ تتخيل الموقف، وأنْ تأخذه تجربة مررت بها بالفعل في موقف رهيب ينشغل فيه كل امرئ بنفسه.
فالقيامة قامت، قامت يعني: لن تقعد والأمة جاثية، الكل المؤمن والكافر، الكل جَاثٍ ينتظر ما سيحدث، لا أحدَ هنا فوق القانون (مفيش جستنة) فالفزع والهول يَغشى الجميع، والكل ينتظر كلمة الحق.
{كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا ..} [الجاثية: 28] فنسب الكتاب إلى الأمة، لذلك وقف المستشرقون عند هذه الآية يعترضون، لأن الحق سبحانه يقول في آية أخرى:
{هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ..} [الجاثية: 29] .
فمرة أسند الكتاب إلى الأمة، ومرة أسنده إليه سبحانه، ولو فهموا عن الله ما وجدوا في ذلك وجهاً للاعتراض.
فمعنى (كتابنا) أي: الذي طلبنا من الحفظة أنْ يكتبوه ليكون حجةً على صاحبه يوم القيامة، فنقول له:
{اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} [الإسراء: 14] .
وهو أيضاً كتابهم أي الذي كُتِب عليهم فيه، وسجّل فيه أعمالهم، إذن: لكل لفظ معناه ودلالته، ومعلوم في أسلوب القرآن أنه يستعمل اللفظ هنا بمعنى وهناك بمعنى آخر.
والقرآن مُجمله يحتاج في فهمه إلى تأمل وتدبّر وعلم بأسباب النزول وملابسات الآيات: اقرأ مثلاً قول الله تعالى:
{وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ..} [النساء: 5] السّفيه: هو الذي لا يحسن التصرف في ماله، لذلك لم يجعل له الشارع مالاً، إنما المال في حال السَّفه مِلْك لوليه.
لذلك قال
{أَمْوَالَكُمُ ..} [النساء: 5] مع أنها من حَقِّ هذا السَّفيه، لأن المؤمنين تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم.