{وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور: 39] .
لذلك لما سُئلنا عن أصحاب الاختراعات والابتكارات التي خدمت البشرية ويسَّرتْ على الناس حركة الحياة، وخفَّفتْ آلام المتألمين: كيف بعد هذا كله يدخلون النار؟
قلت: نعم، لأنهم عملوا هذه الأعمال لخدمة الإنسانية ولم يكُنْ الله في بالهم، لذلك أخذوا أجورهم من البشرية تكريماً وتخليداً لذكراهم وتمجيداً لهم، فعملوا لهم التماثيل وألفّوا فيهم الكتب .. إلخ.
إذن: لا نصيبَ لهم في ثواب الآخرة، ولو عملوا لله لوجدوا الأجر عند الله، لأن الأجير لا يطلب أجره إلا ممنْ عمل له.
لذلك سيُفاجأ الكافر بهذه الحقيقة، هذه المفاجأة نفهمها من قوله تعالى:
{وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّهُ حِسَابَهُ ..} [النور: 39] فُوجئ بإله لم يكُنْ في باله، أو كان مُنكراً له كافراً به.
{وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}
أي: يوم القيامة ترى كل أمة جاثية، من الفعل جثا جثواً أي: برك على ركبتيه، أو قام على أطراف أصابعه، وهذا وضْع الخائف الخاضع الذليل، ومنه قوله تعالى:
{ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً} [مريم: 68] .
وقريب منه الفعل جثم جثوماً أي: لزم مكانه أو لصق بالأرض، ومنه قوله تعالى:
{فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: 94] .
إذن: فالموقف موقف عصيب، موقف رعب وهَوْل وهلع بحيث لا يتمكن الناسُ من القعود على مقاعدهم فيقعدون على رُكَبهم، فإنْ اشتدَّ الهول وقفوا على أطراف أصابعهم، وهي وقفة مَنْ ينتظر الخطر والهول، أما القعود الطبيعي فيُمكِّن الإنسان مقعدته من الأرض ويكون في حال الاطمئنان.
وفرْقٌ بين القعود والجلوس وإن كانت المحصلة واحدة، إلا أن القعود يكون بعد الوقوف. نقول: كان قائماً فقعد، أما الجلوس فيكون من حال الاضطجاع. كان مضطجعاً فجلس.
إذن: هنا مسألة فلسفية: القعود يكون من وضع أعلى وهو القيام، والجلوس من وضع أدْنى وهو الاضطجاع، والجلوس أو القعود يضمن للإنسان الراحة حيث يكون معظم جسمه على الأرض فيرتاح على خلاف القائم مثلاً فتحمله قدماه.