وهذا اختلاف مُعضل ، والأظهر ما ذهب إليه صاحب"اللسان"وصاحب"القاموس"فيجوز أن يكون السين والتاء في {نستنسخ} للمبالغة في الفعل مثل استجاب.
ويجوز أن يكون السين والتاء للطلب والتكليف ، أيْ نكلف الملائكة نسخ أعمالكم ، وعلى هذا المحمل حمل المفسرون السين والتاء هنا أي للطلب ، ثم يجوز أن يكون النسخ على معنى نقل كتابة عن كتابة سابقة وبه فسر ابن عباس قال: إن الله وكل ملائكة ينسخون من أم الكتاب في رمضان كل ما سيكون من أعمال بني آدم ، ويجوز أن يكون النسخ بمعنى كتابة ما تعلمه النّاس دون نقل عن أصل.
والمعنى: إنا كنا نكتب أعمالكم.
وعن علي بن أبي طالب أنه قال: إن لله ملائكة ينزلون كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم ومثله عن الحسن والسدّي.
والنسخ هنا: الكتابة ، وإسناد فعل الاستنتاج إلى ضمير الله على هذا إسناد مجازي لأن الله أمر الحفظة بكتابة الأعمال.
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30)
الفاء لعطف المفصل على المجمل ، وهو تفصيل لما أجمل في قوله: {وترى كل أمة جاثية} [الجاثية: 28] وما بينهما اعتراض.
فالكلام هنا هو متصل بقوله: {وترى كل أمة جاثية كما دل عليه قوله: وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم} .
وابتدئ في التفصيل بوصف حال المؤمنين مع أن المقام للحديث عن المبطلين في قوله: {يومئذٍ يخسر المبطلون} [الجاثية: 27] تنويهاً بالمؤمنين وتعجيلاً لمسرتهم وتعجيلاً لمساءة المبطلين لأن وصف حال المؤمنين يُؤذن بمخالفة حال الآخَرين لحالهم.
والتعبير بـ (يدخلهم في رحمته) شامل لما تتصوره النفس من أنواع الكرامة والنعيم إذ جعلت رحمة الله بمنزلة المكان يدخلونه.