وأما قوله: {يوم نبطش البطشة} [الدخان: 16] فهو عذاب آخر.
وكل ذلك يؤذن بأن العذاب بالدخان يقع في الدنيا وأنه مستقبل قريب ، وإذ قد كانت الآية مكية تعيّن أن هذا الدخان الذي هو عذاب للمشركين لا يصيب المؤمنين لقوله تعالى: {وما كان الله لِيُعذِّبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] فتعيّن أن المؤمنين يوم هذا الدخان غير قاطنين بدار الشرك ، فهذا الدخان قد حصل بعد الهجرة لا محالة وتعيّن أنه قد حصل قبل أن يسلم المشركون الذين بمكة وما حولها فيتعيّن أنه حصل قبل فتح مكة أو يوم فتح مكة على اختلاف الأقوال.
والأصح أن هذا الدخان عُني به ما أصاب المشركين من سِنِي القحط بمكة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
والأصح في ذلك حديث عبد الله بن مسعود في"صحيح البخاري"عن مسلم وأبي الضحى عن مسروق قال: دخلتُ على عبد الله بن مسعود فقال: إنَّ قريشاً لما غَلَبوا على النبي صلى الله عليه وسلم واستعصوا عليه قال: اللّهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف ، فأخذتهم سَنة أكلوا فيها العظام والميتةَ من الجَهْد حتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع فأُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: استسققِ لمُضر أن يكشف عنهم العذاب ، فدعا فكشف عنهم وقال الله له: إنْ كشفنا عنهم العذاب عَادوا ، فعادُوا: فانتقم الله منهم يومَ بدر فذلك قوله تعالى: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخانٍ مبينٍ} إلى قوله {يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون} [الدخان: 10 16] والبطشة الكبرى يوم بدر.
وإن عبَد الله قال: مَضى خمس: الدخانُ ، والرومُ والقَمَرُ والبطشة واللِّزَام.
في حديث أبي هريرة في"صحيح البخاري"في أبواب الاستسقاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة من الصبح يقول:"اللهم أنْج عياش بن أبي ربيعة."