وفعل (ارتقب) يقتضي بصريحه أن إتيان السماء بدخان لم يكن حاصلاً في نزول هذه الآية ، ويقتضي كنايةً عن اقتراب وقوعه كما يُرتقب الجائي من مكان قريب.
و {يوم} اسم زمان منصوب على أنه مفعول به ل (ارتقب) وليس ظرفاً وذلك كقوله تعالى: {يخافون يوماً} [النور: 37] ، وهو مضاف إلى الجملة بعده لتمييز اليوم المراد عن بقية الأيام بأنه الذي تأتي فيه السماء بدخان مبين فنصب {يومَ} نصب إعراب ولم ينون لأجل الإضافة.
والجملة التي يضاف إليها اسم الزمان تستغني عن الرابط لأن الإضافة مغنية عنه.
ولأن الجملة في قوة المصدر.
والتقدير: فارتقب يوم إتيان السماء بدخان.
وأطلق اليوم على الزمان فإن ظهور الدخان كان في أيامٍ وشهور كثيرة.
والدخان: ما يتصاعد عند إيقاد الحَطب ، وهو تشبيه بليغ ، أي بمثل دخان.
والمبين: البين الظاهر ، وهو اسم فاعل من أبان الذي هو بمعنى بَان.
والمعنى: أنه ظاهر لكل أحد لا يُشك في رؤيته.
وقال أبو عبيدة وابن قتيبة: الدخان في الآية هو: الغبار الذي يتصاعد من الأرض من جراء الجفاف وأن الغبار يسمّيه العرب دُخَاناً وهو الغبار الذي تثيره الرياح من الأرض الشديدة الجفاف.
وعن الأعرج: أنه الغبار الذي أثارته سنابك الخيل يوم فتح مكة فقد حجبت الغبرة السماء ، وإسناد الإتيان به إلى السماء مجاز عقلي لأن السماء مكانه حين يتصاعد في جو السماء أو حين يلوح للأنظار منها.
والكلام يؤذن بأن هذا الدخان المرتقب حادث قريب الحصول ، فالظاهر أنه حَدث يكون في الحياة الدنيا ، وأنه عقاب للمشركين.
فالمراد بالنّاس من قوله: {يغشى الناس} هم المشركون كما هو الغالب في إطلاق لفظ الناس في القرآن ، وأنه يُكشف زمناً قليلاً عنهم إعذاراً لهم لعلهم يؤمنون ، وأنهم يعودون بعد كشفه إلى ما كانوا عليه ، وأن الله يعيده عليهم كما يؤذن بذلك قوله: {إنّا كاشفوا العذاب قليلاً} [الدخان: 15] .