أي: قرناهم كما تقرن الأزواج وليس المراد به العقد لأن فائدة العقد الحل والجنة ليست بدار تكليف من تحليل أو تحريم {بِحُورٍ} أي: جوار بيض حسان نقيات الثياب {مِنَ} أي: واسعات الأعين.
قال البيضاوي: واختلف في أنهن نساء الدنيا أو غيرهن.
ولما كان الشخص في الدنيا يخشى كلف النفقات وصف ما هنالك من سعة الخيرات فقال تعالى: {يَدْعُونَ} أي: يطلبون طلباً هو غاية المسرة {فِيهَآ} أي: الجنة أي: يؤتون {بِكلِّ فَاكِهَةٍ} أي: لا يمتنع عليهم صنف من الأصناف لبعد مكان ولا فقدان ولا غير ذلك من الشأن، وفي ذلك إيذان بأنه مع سعته ليس فيه شيء لإقامة البنية وإنما هو للتفكه والتلذذ حال كونهم مع ذلك {آمِنِينَ} في غاية الأمن من كل مخوف.
{لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا}
أي: الجنة {الْمَوْتِ} لأنها دار خلود لا دار فناء وقوله تعالى {إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى} فيه أوجه:
أحدها: أنه استثناء منقطع أي: لكن الموتة الأولى قد ذاقوها.
ثانيها: أنه متصل وتأولوه بأن المؤمن عند موته في الدنيا يصير بلطف الله كأنه في الجنة لاتصاله بأسبابها ومشاهدته إياها وما يعطاه من نعيمها فكأنه مات فيها.
ثالثها: أن إلا بمعنى سوى أي: سوى الموتة التي ذاقوها في الدنيا كما في قوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} (النساء: 22)
أي: سوى ما قد سلف.
رابعها: أن (إلا) بمعنى (بعد) أي: لا يذوقون فيها الموت بعد الموتة الأولى في الدنيا واختاره الطبري لكن نوزع بأن إلا بمعنى بعد لم يثبت وقد يجاب: بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ.
خامسها: قال الزمخشري: أريد أن يقال لا يذوقون فيها الموت ألبتة فوضع قوله: {إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى} موضع ذلك لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل فهو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها.