نقول: مخ الإنسان فيه جزء للحافظة, وجزء للذاكرة، وجزء للتخيل يسمى مخيلة، فالإنسان يرى الأشياء، فتسجلها الحافظة في حاشية الشعور، ثم الذاكرة تستدعي له هذه الأشياء، أما المخيلة فتأخذ من واقع الأشياء وتكون صورا جديدة متخيلة، لا أصل لها في الواقع.
هنا أنت مع هذا التشبيه {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) } [الصافات] مع أنك لم تر رءوس الشياطين، إلا أن خيالك سيرسم لها صورة على أبشع ما يكون، وعندها سيتضح لك الفارق بين النزل الذي أعده الله للمؤمنين في الجنة وهذه الشجرة التي ثمارها كرءوس الشياطين، فالجمع بين هاتين الصورتين مقصود، فكأن ربك عز وجل أراد أن يسوق لك العظة في وقت الجزاء المشهود، لا في وقت التكذيب.
وشجرة الزقوم شجرة خبيثة، منتنة الرائحة، مرة الطعم، موجودة في منطقة تهامة، جعلها الله مثلا للشجرة التي تنبت في أصل الجحيم. قالوا: هذا بمثابة تقريع للمعذبين بهذه الشجرة، لأنهم كانوا يكذبون بالبعث وبالحياة بعد الموت، فجعل الله لهم هذه الشجرة تنبت في وسط جهنم وفيها طعامهم، فلا طعام لهم غير ثمرها.
والشجرة تعني الخضرة والمائية، ومعلوم أن المائية تنافي النار، وفي هذا إشارة إلى طلاقة القدرة التي كذبوا بها في الدنيا. إذن: كون هذه الشجرة في أصل الجحيم، وهم يعيشون على ثمرها ويحتاجون إليها وهي شاخصة أمامهم، هذا كله تقريع لهم على ما كذبوا به.
وهذه المسألة تذكرنا بسيدنا إبراهيم - عليه السلام - حين ألقي في النار، فجعلها الله عليه بردا وسلاما، وعطل بقدرته تعالى قانون الإحراق.
الحق سبحانه يريد أن يبشع صورة هذه الشجرة، مع أن العرب يعرفون شجرة بهذا الاسم، ويعرفون خبثها ونتن ريحها ومرارة طعمها، ويعرفون طلعها البسيط، لكن أحدا لم ير الطلع الذي يشبه رءوس الشياطين.