كأنه قيل: الذي صبح فغنم فآب ، وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك: خذ الأفضل فالأكمل ، واعمل الأحسن فالأجمل ، وإما على ترتب موصوفاتها في ذلك كقوله: رحم الله المحلقين فالمقصرين ، فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساق أمر الفاء العاطفة في الصفات.
فإن قلت: فعلى أي هذه القوانين هي فيما أنت بصدده؟
قلت: إن وحدت الموصوف كانت للدلالة على ترتب الصفات في التفاضل ، وإن ثلثته فهي للدلالة على ترتب الموصوفات فيه.
بيان ذلك: أنك إذا أجريت هذه الأوصاف على الملائكة ، وجعلتهم جامعين لها فطفها بالفاء يفيد ترتباً لها في الفضل ، إما أن يكون الفضل للصف ، ثم للزجر ثم للتلاوة. وإما على العكس ، وكذلك إن أردت العلماء وقوّاد الغزاة. وإن أجريت الصفة الأولى على طوائف والثانية والثالثة على أخر ، فقد أفادت ترتب الموصوفات في الفضل أعني أن الطوائف الصافات ذوات فضل والزاجرات أفضل ، والتاليات أبهر فضلاً أو على العكس ، وكذلك إذا أردت بالصافات الطير ، وبالزاجرات كل ما يزجر عن معصية ، وبالتاليات كل نفس تتلو الذكر ، فإن الموصوفات مختلفة. انتهى كلام الزمخشري في الكشاف.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: كلام صاحب الكشاف هذا نقله عنه أبو حيان ، والقرطبي وغيرهما ، ولم يتعقبوه ، والظاهر أنه كلام لاتحقيق فيه ، ويوضح ذلك اعتراف الزمخشري نفسه بأنه لا يدري ما ذكره: هل هو كذا أو على العكس ، وذلك صريح في أنه ليس على علم مما يقوله ، لأن من جرم بشيء ثم جوز فيه النقيضين دل على أنه ليس على علم مما جزم به.
والأظهر الذي لا يلزمه إشكال أن الترتيب بالفاء لمجرد الترتيب الذَّكري والإتيان بأداة الترتيب لمجرد الترتيب الذَّكري فقط ، دون إرادة ترتيب الصفات أو الموصوفات أسلوب عربي معروف جاء في القرآن في مواضع ، وهو كثير في كلام العرب.