وهنا يقول تعالى لنبيه: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى ...} [الروم: 52] فجعلهم في حكم الأموات ، وهم أحياء يُرْزَقون ، لماذا؟ لأن الذي لا ينفعل لما يسمع ولا يتأثر به ، هو والميت سواء .
أو نقول: إن للإنسان حياتين: حياة الروح التي يستوي فيها المؤمن والكافر ، والطائع والعاصي ، وحياة المنهج والقيم ، وهذه للمؤمن خاصة ، والتي يقول الله فيها: {يا أَيُّهَا الذين آمَنُفواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ...} [الأنفال: 24] .
فهو سبحانه يخاطبهم هذا الخطاب وهم أحياء ، لكن المراد هنا حياة المنهج والقيم ، وهي الحياة التي تُورِثك نعيماً دائماً باقياً لا يزول ، خالداً لا تتركه ولا يتركك .
لذلك يقول سبحانه عن هذه الحياة: {وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64] .
لذلك سمَّى الله المنهج الذي أنزله على رسوله روحاً: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ...} [الشورى: 52] لأن المنهج يعطيك حياة باقية لا تنزوي ولا تزول .
وسمَّى الملَك الذي نزل به روحاً: {نَزَلَ بِهِ الروح الأمين} [الشعراء: 193] فالمنهج روح من الله ، نزل به روح من الملائكة هو جبريل عليه السلام على قلب سيدنا رسول الله ليحمله رسول مصطفى فيبثُّه في الناس جميعاً ، فَيحيَوْن الحياة الآخرة .
فالكفار بهذا المعنى يحيَوْن حياة روح القالب التي يستوي فيها جميع البشر ، لكن هم أموات بالنسبة للروح الثانية ، روح القيم والمنهج .
لذلك ، إذا كان عندنا شخص شقي أو بلطجي يفسد في المجتمع أكثر مما يصلح نقول له: أنت وجودك مثل عدمه ، لماذا؟ لأن الحياة إذا لم تُستغل في النافع الدائم ، فلا معنى لها .