وهنا أيضاً دليل كوني مشهود في الكون ، فالذي أحيا الأرض الميتة كما تشاهدون (لمحي الموتى) في الآخرة كما يخبركم ، وجاء بصيغة اسم الفاعل الدال على ثبوت صفة الإحياء قبل أنْ يُحيي ، كما نقول: فلان شاعر فلم يكتسب هذه الصفة لأنه قال شعراً ، إنما هو إنما هو شاعر قبل أن يقول ، كذلك الخالق سبحانه (محي) قبل أن يوجد منه الفعل ، وقادر قبل أنْ يخلق مقدوراً له ، وخالق قبل أنْ يخلق خَلْقاً ، فبالصفة فيه سبحانه خلق .
ولكي نُقرِّب الشبة بين إحياء الأرض بالنبات وإحياء الموتى يوم القيامة نقول: لو نظرنا إلى الإنسان لوجدنا هذا الهيكل الضخم الذي يزن إلى مائة كيلو أو يزيد ، أصل تكوينه ميكروب لا يُرَى بالعين المجردة ، حتى قالوا: إن أنسال العالم كله من الحيوان المنوي يمكن أنْ توضع في حجم كستبان الخياطة ، إذا مليء نصفه من المني ، ثم يأخذ هذا الحيوان المنوي من الغذاء من الرزق فينمو ويكبر في الحجم فقط ، لكن تظل الشخصية كما هي .
فإذا مات الإنسان يبْلَى هذا الجسد ، ويتحلل إلا عظمة الذنب ، فتبقى لا تتحلل ولا تأكلها الأرض لتكون هي البذرة التي تنبت الإنسان بقدرة الله يوم القيامة ؛ لذلك جاء في حديث إحياء الموتى يوم القيامة ؛"فينبتون كما ينبت البقل".
ففي هذه العظمة الصغيرة كل صفات الإنسان وخصائصه ، ومنها يعود كما كان قبل الموت ، كما نرى حبة السمسم مثلاً ، فهي رغم صِغَرها إلا أنها تحمل كل خصائص هذا النبات كلها ، إذن: صِغَر الحجم دليل على القدرة ، فإذا ما وضعت هذه الحبة الصغيرة في البيئة المناسبة تأخذ الغذاء من التربة ومن الهواء وتنمو وتكبر ، وهذا النمو وهذا الكبر لا يعطي شخصية جديدة إنما الشخصية ثابتة ، إنما يعطي تكبيراً لها فحسب .