الماءُ تُرسِلُه فيصبح عَسْجداً ... والأرض تُغرقُها فيحيَا المغرَق
لما قرأتُ هذه القصيدة عرفت لماذا كانت النساء تزغرد حين يُغرق النيلُ الزرعَ .
والاستبشار لنزول المطر يأتي على حسب الأحوال ، فإن جاء بعد يأس وقحط وجفاف كانت الفرحة أكبر ، والاستبشار أبلغ حيث يأتي المطر مفاجئاً {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الروم: 48] أما إنْ جاء المطر في الأحوال العادية فإن الاستبشار به يكون أقلَّ .
ثم يقول سبحانه: {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ ...} .
معنى {لَمُبْلِسِينَ} [الروم: 49] آيسين من نزول المطر ، فإنْ جاءهم المطر بعد هذا اليأس كانت فرحتهم به مزودجة ومضاعفة .
وللعلماء وقفة حول هذه الآية ؛ لأنها كررتْ كلمة من قبل ، وبالتأمل نجد المعنى: من قبل أنْ ينزل عليهم ، وإنْ كانوا من قبل هذا القبل يائسين ، فهنا إذن قبلان .
ولا بُدَّ أن نفهم أن هناك إرسالاً للرياح التي تبشر بالمطر ، وهناك إنزال المطر ، فلما ينزل المطر يكون هناك قبلية له هي الإرسال ، فقبل الإرسال كان عندهم يأس ، وبعد الإرسال قالوا ربما لا تمطر .
إذن: هنا كم قبل؟ قبل الإنزال وقبل الإرسال . فالمعنى: فهُمْ من قبله - أي من قبل أن ينزل المطر - من قبل هذا عندهم يأس .
فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50)
كأن الحق سبحانه أراد أنْ يستدلَّ بالمحَسِّ المنظور في الكون على ما يريد أنْ يخبرنا به من الغيب من أمور البعث والآخرة ؛ لذلك يعلل بقوله: {إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الموتى وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم: 50] فذكر مع الأرض الفعل المضارع يحيي ، والفعل المضارع يدل على التجدد والاستمرار وهذه عملية مُحسَّة لنا .