ومعنى {وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً ...} [الروم: 48] كسفا: جمع كِسْفة ، وهي القطعة {فَتَرَى الودق ...} [الروم: 48] المطر {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ...} [الروم: 48] أي: من بين هذه السحب .
{فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الروم: 48] والإصابة قد تكون مباشرة ، فيهطل المطر عليهم مباشرة ، وقد تكون غير مباشرة بأنْ تكون الأرض منحدرة ، فينزل المطر في مكان ويسقي مكاناً آخر ، بل ويحمل إليه الخِصْب والنماء ، كما كان النيل في الماضي يحمل الطمي من الحبشة إلى السودان ومصر .
وكان هذا الطمي يستمر مع الماء طوال مجرى النيل وإلى دمياط ، فلماذا لم يترسب طول هذه المسافات؟
لم يترسب بسبب قوة دفع الماء وشدة انحداره ، بحيث لا يستقر هذا الطمي ولا يترسب .
وقوله: {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الروم: 48] لأن الرياح حين تمر عليهم تُبشِّرهم بالمطر ، وحين ينزل المطر يُبشِّرهم بالزرع والنماء والخِصْب والخير ، كما قال تعالى: {وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5] .
وأذكر وأنا صغير وبلدنا على النيل ، والنيل من أمامها متسع ، وبه عدة جزر يزرعها الناس ، فأذكر أننا كنا نزرع الذرة ، وجاء الفيضان فأغرقه وهو ما يزال أخضر لم ينضج بَعْد ، وكان الناس يذهبون إليه ويجمعونه بالقوارب ، ورأيت النساء تزغرد والفرحة على الوجوه ، فكنت أسأل أبي رحمه الله: النيل أغرق الزرع . فلماذا تزغرد النساء؟
فكان والدي يضحك ويقول: تزغرد النساء لأن النيل أغرق الزرع ، وهذا هو مصدر الخير ، وسبب خصوبة الأرض ، فلما كبرتُ وقرأت قصيدة أحمد شوقي رحمه الله في النيل:
مِنْ أيِّ عَهْدٍ في القُرَى تتدفَّقُ ... وبأيِّ كَفٍّ في المدائن تُغدِق