وقلنا: إن الأشياء الثابتة اكتسبتْ الثبات من وجود الهواء في كُلِّ نواحيها وجهاتها ، ولو فرَّغْتَ الهواء من ناحية من نواحي إحدى العمارات لأنهارتْ في الحال ، كذلك الريح إنْ جاءت مفردة فهي مدمرة ، وفيها العطب كما في قوله تعالى: {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الريح العقيم} [الذاريات: 41] .
وقال: {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} [الحاقة: 6] .
فقوله تعالى: {الله الذي يُرْسِلُ الرياح ...} [الروم: 48] فإرسال الرياح في ذاته نعمة {فَتُثِيرُ سَحَاباً ...} [الروم: 48] إثارة السحاب أي: تهيجه وتحركه ، وهذه نعمة أخرى .
والسحاب عبارة عن الماء المتبخِّر من الأرض ، وتجمُّع بعضه على بعض في طبقات الجو ، وماء المطر ماء مُقطر بقدرة الله ، كما نُجِري نحن عملية التقطير في المعامل مثلاً ، فيأتينا المطر بالماء العَذْب النقي الزلال الذي قطرته لنا عناية الخالق سبحانه دون أنْ ندري .
وإذا كان تقطير كوب واحد يحتاج إلى كل هذه العمليات ، وكل هذه التكلفة ، فما بالك بماء المطر؟
وسبق أنْ قُلْنا: إن من حكمة الخالق سبحانه أنْ جعل ثلاثة أرباع اليابسة ماء لتتسع رقعة البَخْر ليكفي الربع الباقي ، وضربنا لتوضيح ذلك مثلاً بكوب الماء حين تتركه على المنضدة مثلاً ، وحين تسكبه في أرض الغرفة ، ففي الحالة الأولى يظل الماء فترة طويلة ؛ لأن البَخْر قليل ، أما في الأخرى فإنه سرعان ما يتبخر .
ثم يقول سبحانه: {فَيَبْسُطُهُ فِي السمآء كَيْفَ يَشَآءُ ...} [الروم: 48] وانظر إلى طلاقة المشيئة ، فالمطر يصرفه الله كيف يشاء إلى الأماكن التي تحتاج إلى مطر ، ومن العجيب أن الله تعالى حين يريد أن يرزق إنساناً ربما يرزقه من سحاب لا يمر على بلده ، وانظر مثلاً إلى النيل ، من أين يأتي ماؤه؟ وأين سقط المطر الذي يروي أرض النيل من أوله إلى آخره؟