هذه الجملة تتنزل منزلة البيان لإجمال الجملة التي قبلها وهي {فأقم وجهك للدّين القيم} [الروم: 43] ، إذ التثبيت على الدين بعد ذكر ما أصاب المشركين من الفساد بسبب شركهم يتضمن تحقير شأنهم عند الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، فبين ذلك بأنهم لا يَضرون بكفرهم إلا أنفسهم ، والذي يكشف هذا المعنى تقديم المسند في قوله {فعليه كفره} فإنه يفيد تخصيصه بالمسند إليه ، أي فكفره عليه لا عليك ولا على المؤمنين ، ولهذا ابتدئ بذكر حال من كَفر ثم ذُكر بعدَه {من عمل صالحاً} .
واقتضى حرف الاستعلاء أن في الكفر تبعة وشدة وضَرّاً على الكافر ، لأن (عَلى) تقتضي ذلك في مثل هذا المقام ، كما اقتضى اللام في قوله {فلأنفسهم يمهدون} أن لِمجرورها نفعاً وغنماً ، ومنه قوله تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] .
وقال توبة بن الحُمَيِّر:
وقد زعمت ليلى بأني فاجر...
لنفسي تُقاها أو عليها فجورها
وأفرد ضمير {كفره} رعياً للفظ {مَن} .
وهذا التركيب من جوامع الكلم لدلالته على ما لا يحصى من المضارّ في الكفر على الكافر وأنه لا يَضُر غيره ، مع تمام الإيجاز ، وهو وعيد لأنه في معنى: من كفر فجزاؤه عقاب الله ، فاكتفي عن التصريح بذلك اكتفاء بدلالة (على) من قوله {فعليه كفره} وبمقابلة حالهم بحال من عمل صالحاً بقوله {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله} .
وأما قوله {ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون} فهو بيان أيضاً لما في جملة {فأقم وجهك للدّين القيّم} [الروم: 43] من الأمر بملازمة التحلّي بالإسلام وما في ذلك من الخير العاجل والآجل مع ما تقتضيه عادة القرآن من تعقيب النذارة بالبشارة والترهيب بالترغيب فهو كالتكملة للبيان.
وإنما قوبل {من كَفر} بـ {من عَمِل صَالِحاً} ولم يقابل بـ (مَن ءامن) للتنويه بشأن المؤمنين بأنهم أهل الأعمال الصالحة دون الكافرين.