ولما كان المعنى أنهم فريق في الجنة وفريق في السعير ، بين ذلك ببيان عاقبة سببه في جواب من كأنه قال: إلى أين يتفرقون؟ قائلاً: {من كفر} أي منهم فعلم شيئاً {فعليه} أي لا على غيره {كفره} أي وباله ، وعلى أنفسهم يعتدون ولها يهدمون فيصيرون في ذلك اليوم إلى النار التي هم بها مكذبون ، ومن كان عليه كفره الذي أوبقه إلى الموت ، فلا خلاص له فيما بعد الفوت ، ووحد الضمير رداً له على لفظ من نصاً على أن كل واحد مجزيّ بعمله لا المجموع من حيث هو مجموع ، وإفهاماً لأن الكفرة قليل وإن كانوا أكثر من المؤمنين ، لأنهم لا مولى لهم ، ولتفرق كلمتهم {تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى} [الحشر: 14] ولأنه لا اجتماع بين أهل النار ليتأسى بعضهم ببعض ، بل كل منهم في شغل شاغل عن معرفة ما يتفق لغيره {ومن عمل صالحاً} أي بالإيمان وما يترتب عليه ، وأظهر ولم يضمر لئلا يتوهم عود الضمير على {من كفر} وبشارة بأن أهل الجنة كثير وإن كانوا قليلاً ، لأن الله مولاهم فهو يزكيهم ويؤيدهم ، وفي جمع الجزاء مع إفراد الشرط ترغيب في العمل من غير نظر إلى مساعد بأنه ينفع نفسه وغيره ، لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ، وأقل ماينفع والديه وشيخه في ذلك العمل ، وعبر بالنفس ليدل - بعد الدلالة على إرادة العامل ومن شايعه حتى كان بحكم اتحاد القصد إياه - على أن العمل الصالح يزكي النفوس ويطهرها من رذائل الأخلاق ، فقال: {فلأنفسهم} أي خاصة أعمالهم ولهم خاصة عملهم الصالح ولأنفسهم {يمهدون} أي يسوون ويوطئون منازل في القبور والجنة ، بل وفي الدنيا فإن الله يعزهم بعز طاعته ، والآية من الاحتباك: حذف أولاً عدوانهم على أنفسهم لما دل عليه من المهد ، وثانياً كون العمل خاصاً بهم لما دل عليه من كون الكفر على صاحبه خاصة ، وأحسن من هذا أن يقال: ذكر الكفر الذي هو السبب دليلاً على الإيمان ثانياً ، والعمل الصالح الذي هو الثمرة ثانياً دليلاً على العمل