ثُمَّ بَيْنَ الْقَلْبِ وَبَيْنَ الرَّبِّ مَسَافَةٌ، وَعَلَيْهَا قُطَّاعٌ تَمْنَعُ وَصُولَ الْعَمَلِ إِلَيْهِ، مِنْ كِبْرٍ وَإِعْجَابٍ وَإِدْلَالٍ، وَرُؤْيَةِ الْعَمَلِ، وَنِسْيَانِ الْمِنَّةِ، وَعِلَلٍ خَفِيَّةٍ لَوِ اسْتَقْصَى فِي طَلَبِهَا لَرَأَى الْعَجَبَ، وَمِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى سَتْرُهَا عَلَى أَكْثَرِ الْعُمَّالِ، إِذْ لَوْ رَأَوْهَا وَعَايَنُوهَا لَوَقَعُوا فِيمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهَا، مِنَ الْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ وَالِاسْتِحْسَارِ، وَتَرْكِ الْعَمَلِ، وَخُمُودِ الْعَزْمِ، وَفُتُورِ الْهِمَّةِ، وَلِهَذَا لَمَّا ظَهَرَتْ"رِعَايَةُ"أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ الْمُحَاسِبِيِّ وَاشْتَغَلَ بِهَا الْعُبَّادُ عُطِّلَتْ مِنْهُمْ مَسَاجِدُ كَانُوا يَعْمُرُونَهَا بِالْعِبَادَةِ. وَالطَّبِيبُ الْحَاذِقُ يَعْلَمُ كَيْفَ يُطَبِّبُ النُّفُوسَ، فَلَا يَعْمُرُ قَصْرًا وَيَهْدِمُ مِصْرًا.
(فَصْلٌ)
قَالَ: وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ حَالًا بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: بِالْإِيَاسِ مِنْ عَمَلِكَ، وَبِمُعَايَنَةِ اضْطِرَارِكَ، وَشَيْمِ بَرْقِ لُطْفِهِ بِكَ.
الْإِيَاسُ مِنَ الْعَمَلِ يُفَسَّرُ بِشَيْئَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ إِذَا نَظَرَ بِعَيْنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْفَاعِلِ الْحَقِّ، وَالْمُحَرِّكِ الْأَوَّلِ، وَأَنَّهُ لَوْلَا مَشِيئَتُهُ لَمَا كَانَ مِنْكَ فِعْلٌ، فَمَشِيئَتُهُ أَوْجَبَتْ فِعْلَكَ لَا مَشِيئَتَكَ بَقِيَ بِلَا فِعْلٍ. فَهَاهُنَا تَنْفَعُ مُشَاهَدَةُ الْقَدَرِ، وَالْفَنَاءُ عَنْ رُؤْيَةِ الْأَعْمَالِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَيْأَسَ مِنَ النَّجَاةِ بِعَمَلِكَ، وَتَرَى النَّجَاةَ إِنَّمَا هِيَ بِرَحْمَتِهِ تَعَالَى وَعَمَلِهِ وَفَضْلِهِ، كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ «لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ» فَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ يَتَعَلَّقُ بِبِدَايَةِ الْفِعْلِ، وَالثَّانِي بِغَايَتِهِ وَمَآلِهِ.