وَاسْتِدْرَاكُ الْفَائِتَاتِ هُوَ اسْتِدْرَاكُ مَا فَاتَهُ مِنْ طَاعَةٍ وَقُرْبَةٍ بِأَمْثَالِهَا، أَوْ خَيْرٍ مِنْهَا وَلَاسِيَّمَا فِي بَقِيَّةِ عُمُرِهِ، عِنْدَ قُرْبِ رَحِيلِهِ إِلَى اللَّهِ، فَبَقِيَّةُ عُمُرِ الْمُؤْمِنِ لَا قِيمَةَ لَهَا. يَسْتَدْرِكُ بِهَا مَا فَاتَ، وَيُحْيِي بِهَا مَا أَمَاتَ.
(فَصْلٌ)
قَالَ: وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ عَهْدًا بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: بِالْخَلَاصِ مِنْ لَذَّةِ الذَّنْبِ، وَبِتَرْكِ الِاسْتِهَانَةِ بِأَهْلِ الْغَفْلَةِ، تَخَوُّفًا عَلَيْهِمْ، مَعَ الرَّجَاءِ لِنَفْسِكَ، بِالِاسْتِقْصَاءِ فِي رُؤْيَةِ عِلَّةِ الْخِدْمَةِ.
إِذَا صَفَتْ لَهُ الْإِنَابَةُ إِلَى رَبِّهِ تَخَلَّصَ مِنَ الْفِكْرَةِ فِي لَذَّةِ الذَّنْبِ، وَعَادَ مَكَانَهَا أَلَمًا وَتَوَجُّعًا لِذَكَرِهِ، وَالْفِكْرَةِ فِيهِ، فَمَا دَامَتْ لَذَّةُ الْفِكْرَةِ فِيهِ مَوْجُودَةً فِي قَلْبِهِ، فَإِنَابَتُهُ غَيْرُ صَافِيَةٍ.
فَإِنْ قِيلَ: أَيُّ الْحَالَيْنِ أَعْلَى؟ حَالُ مَنْ يَجِدُ لَذَّةَ الذَّنْبِ فِي قَلْبِهِ، فَهُوَ يُجَاهِدُهَا لِلَّهِ، وَيَتْرُكُهَا مِنْ خَوْفِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَإِجْلَالِهِ أَوْ حَالُ مَنْ مَاتَتْ لَذَّةُ الذَّنْبِ فِي قَلْبِهِ وَصَارَ مَكَانَهَا أَلَمًا وَتَوَجُّعًا وَطُمَأْنِينَةً إِلَى رَبِّهِ، وَسُكُونًا إِلَيْهِ، وَالْتِذَاذًا بِحُبِّهِ، وَتَنَعُّمًا بِذِكْرِهِ؟.
قِيلَ: حَالُ هَذَا أَكْمَلُ وَأَرْفَعُ، وَغَايَةُ صَاحِبِ الْمُجَاهَدَةِ أَنْ يُجَاهِدَ نَفْسَهُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى مَقَامِ هَذَا وَمَنْزِلَتِهِ، وَلَكِنَّهُ يَتْلُوهُ فِي الْمَنْزِلَةِ وَالْقُرْبِ وَمَنُوطٌ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَأَيْنَ أَجْرُ مُجَاهِدَةِ صَاحِبِ اللَّذَّةِ، وَتَرْكِهِ مَحَابَّهُ لِلَّهِ، وَإِيثَارِهِ رِضَى اللَّهِ عَلَى هَوَاهُ؟ وَبِهَذَا كَانَ النَّوْعُ الْإِنْسَانِيُّ أَفْضَلَ مِنَ النَّوْعِ الْمَلَكِيِّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَكَانُوا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ. وَالْمُطْمَئِنُّ قَدِ اسْتَرَاحَ مِنْ أَلَمِ هَذِهِ الْمُجَاهَدَةِ وَعُوفِيَ مِنْهَا، فَبَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ مَا بَيْنَ دَرَجَةِ الْمُعَافَى وَالْمُبْتَلَى.