ولكنه لا يسلم نفسه للضر الذي يهلكه ، بل عندها يتنبه أن له رباً يلجأ إليه ، ولا يجد مفزعاً في الكون إلا هو ؛ لأنه يعلم جيداً أن الذين أخذوه من الله فآمن بهم وكفر بالله لن ينفعوه بشيء ؛ لأنه عبد من دون الله آلهة لا تضر ولا تنفع .
لذلك يقول تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ...} [الإسراء: 67] فهؤلاء الذين تدعونهم لا يعرفون طريقكم ، وإنْ عرفوا لا يملكون أنْ يصلوا إليكم ، أما أنا فربكم الأعلم بكم ، والقادر على إغاثتكم ، وإنزال الرحمة بكم .
إذن: هؤلاء المشركون أشركوا بالله في وقت الرخاء ، أما في وقت الضيق والكرب فلن يخدع أحدهم نفسه ، ولن يغشَّها لن يقول: يا هُبَل . لأنه يعلم أن هُبَلَ لا يسمعه ولا يجيبه ، فلا ينفعه الآن ، ولا ينجيه إلا الإله الحق ، فقد ألجأتْه الضرورة أن يعترف به ويدعوه .
ثم يقول الحق سبحانه: {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ ...} .
يتبادر إلى الذهن أن اللام في {لِيَكْفُرُواْ ...} [الروم: 34] لام التعليل ، أو لام السببية التي يكون ما بعدها سبباً لما قبلها ، كما تقول: ذاكر لتنجح ، وكذلك في الشرط والجواب: إنْ تذاكر تنجح فِعِلَّة المذاكرة النجاح .
فهل يستقيم المعنى هنا على هذا الفهم؟ وهل نجاهم الله وأذاقهم الرحمة ليكفروا به؟
نقول: ليس الشرط سبباً في مجيء الجواب كما يفهم السطحيون في اللغة ، بل الجواب هو السبب في الشرط ، لكنهم لم يُفرِّقوا بين سبب دافع وسبب واقع ، فالتلميذ يذاكر لأن النجاح ورد بباله ، وتراءتْ له آثاره الطيبة أولاً فدفعتْه للمذاكرة .
إذن: فالجواب سبب في الشرط أي: سبب دافع إليه ، فإذا أردتَ أن يكون واقعاً فقدِّم الشرط ليجيء الجواب .