وكما تقول: ركبتُ السيارة لأذهب إلى الأسكندرية ، فركوب السيارة ليس سبب ذهابك للاسكندرية ، لأنك أردْتَ أولاً الذهاب فركبتَ السيارة ، فلما ركبتها وصلتَ بالفعل . إذن: نقول: الشرط سبب للجواب دافعاً يدفع إليه ، والجواب سبب للشرط واقعاً .
فهنا نجّاهم الله من الكرب ، وأذاقهم رحمته لا ليكفروا به ، إنما ليُبيِّن لهم أنه لا مفزعَ لهم إلا إليه ، فيتمسكون به سبحانه ، فيؤمن منهم الكافر ، ويزداد مؤمنهم إيماناً ، لكن جاء ردُّ الفعل منهم على خلاف ذلك ، لقد كفروا بالله ؛ لذلك يسمون هذه اللام لام العاقبة أي: أن كفرهم عاقبة النجاة والرحمة .
ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - لو ضممتَ طفلاً مسكيناً إلى حضانتك وربَّيته أحسن تربية ، فلما شبَّ وكَبِر تنكّر لك ، واعتدى عليك ، فقلت للناس: ربَّيته ليعتدي عليَّ ، والمعنى: ربَّيته ليحترمني ويحبني ، لكن جاءت النتيجة والعاقبة خلاف ذلك ، وهذا يدل على فساد التقدير عند الفاعل الذي ربَّي ، وعلى لُؤْم وفساد طبع الذي رُبِّي .
فالأسلوب هنا {لِيَكْفُرُواْ ...} [الروم: 34] يحمل معنى التقريع ؛ لأن ما بعد لام العاقبة ليس هو العلة الحقيقية لما قبلها ، إنما العلة الحقيقية لما قبلها هو المقابل لما بعد اللام: أذاقهم الرحمة ، ونجاهم ليؤمنوا ، أو ليزدادوا إيماناً ، فما كان منهم إلا أنْ كفروا .
ولهذه المسألة نظائر كثيرة في القرآن ، كقوله تعالى في قصة موسى: {فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ...} [القصص: 8] .
ومعلوم أنهم التقطوه ليكون لهم قُرَّة عين ، ولو كانوا يعلمون هذه العاقبة لأغرقوه أو قتلوه كما قتلوا غيره من أطفال بني إسرائيل ، وكما يقولون في الأمثال (بيربي خنَّاقه) .