وانتقل كتاب الله إلى مخاطبة خاتم أنبيائه ورسله، مذكرا إياه بالمآل الذي يصير إليه المجرمون المكذبون برسالات الله، ومعرفا له بمصير رسله والمؤمنين، وأنه نصر مؤزر من عند الله، وفتح مبين، فقال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى
قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ.
وعاد كتاب الله مرة أخرى إلى الكشف عن أسرار الرياح التي ينفرد بتحريكها وإرسالها من له الخلق والأمر، والدور الذي تقوم به في إثارة السحب وإنزال الأمطار، وإغاثة للعباد ورفقا بهم، وذلك قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ} ، والإشارة هنا إلى السحاب عندما يكون متصلا يملأ أرجاء الأفق: {وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا} ، أي: قطعا، والإشارة هنا إلى السحاب عندما يكون متقطعا، {فَتَرَى الْوَدْقَ} ، أي: المطر، {يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} ، أي: من خلال السحاب، {فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} ، فرحا منهم بنزول الغيث، لحاجتهم إليه، وتوقفهم عليه، {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} ، أي: كانوا قبل نزول المطر في ذهول وحيرة، قانطين من نزوله، لطول عهدهم بالجدب، مكتئبين خوفا من القحط والمجاعة التي تهدد حياتهم، ولهذا كان استبشارهم على قدر إبلاسهم واغتمامهم.
وكون الرياح هي التي تثير السحاب وتلقحه ببخار الماء لكي يمطر، حقيقة علمية كبرى كشف الستار عنها عالم الغيب الذي يعلم السر في السماوات والأرض، منذ أنزل كتابه العزيز قبل أربعة عشر قرنا، عندما قال هنا: {يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا} ، وقال في آية أخرى سبقت في سورة الحجر: (22) :