وما ذكر من اختلاف فإنا نجده يتغير بالعباد؛ نحو ما يظهر عند شدة الشرور بالشيء غير الذي يظهر عند شدة الغضب متولدًا عن فعلهم وبه قول المعتزلة أو عامتهم أن المتولد هو فعل الخلق، فعلى ذلك القول يكون اللون فعلا لهم بتخليق اللَّه، وأمَّا النوم في اللون فوضع، فالاعتبار إنما هو بابتغائهم من فضله؛ أي: ذلك بما ركب فيهم من الحاجة وأنشأ لهم من الفاقة فيما ذكر من الأغذية بأن ابتغاءها فعلا للخلق، وقد احتج اللَّه - سبحانه وتعالى - على العباد، فأخبر أنه من آياته، ومحال أن يكون حجته ما يخلق غيره دون الذي يخلقه بل يدل خلق كل على منشئه من طريق الخلقة والتدبير، فثبت أن الابتغاء مخلوق يخلقه، واللَّه الموفق.
وقوله: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...(26)
حرف"من"إنما يتكلم به ويعبر عمن له الملك والتدبير والتمييز، وحرف"ما"عن ملك الأشياء نفسها، فإذا كان من له الملك في الشيء والتدبير والأمر له فالأملاك أحق أن تكون له.
يخبر - واللَّه أعلم - عن غناه وسلطانه وقدرته، أي: من له ما ذكر في السماوات والأرض لا يحتمل أن يمتحنهم ويأمرهم بأنواع العبادات والطاعة لحاجة نفسه؛ إذ هو غني عن ذلك، ولكنه إنما يمتحن ويأمرهم بأنواع العبادة وأنواع المحن لمنافع أنفسهم وحاجاتهم ومصالحهم، فإذا كان له ما ذكر من الملك لا يحتمل أن يعجزه شيء أيضًا.
وقوله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: القنوت: القيام، والقانت: القائم، فإن كان هذا فتأويله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) . أي: قائم بتدبيره وأمره في الوجود والعدم، والابتداء والإعادة، وفي كل حال: إن أوجد وجد، وإن أعدم صار معدومًا، وإن أحياه حيي، ونحوه، في كل حال يقوم بتدبيره وأمره.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) . أي: مطيعون، فإن كان على هذا ونحوه فهو في كل حال يقوم بتدبيره وأمره.