أو يكون خطاب النبي - صلى الله عليه وسلّم - إياه بالدعاء إلى الإسلام والصلاة يومئذ على أنه بالغ عنده، لأن البلوغ بالسنين ليس مما شرع في أول الإسلام، بل ليس يحفظ قبل قصة ابن عمر في أحد والخندق في ذلك شيء.
فالظاهر أن الناس كانوا يجرون في ذلك على رأيهم وما تعارفوه وتوارثوه: من أن الصبي من لا يمكن أن يولد له، والرجل من يمكن أن يولد له.
وكان علي ابن عشر سنين لما أسلم.
وظاهر من قال: إنه ابن عشر إنه استكمل عشراً ودخل في الحادي عشر، ومن بلغ هذا السن فقد يمكن أن يولد له، ولهذا قلنا أن امرأة ابن العشر إذا جاءت بولد كان لاحقاً به حتى يبلغ، فينفيه باللعان.
وإن كان هذا هكذا فلا شبه أن علياً رضي الله عنه كان في حكم يومئذ بالغاً، فلذلك صح إسلامه، وتوجه الخطاب عليه.
فلما شرع البلوغ بعد ذلك بالسنين، ونظر إلى السن الذي كل من بلغها جاز أن يولد له دون السن الذي يندر ممن بلغها للإيلاد، كان من قصرت سنوه عن ذلك الحد صغيراً في الحكم، ولم يجب أن يصح إسلامه، وهذا أولى ما يقال في هذه القصة والله أعلم.
قال القائل: الإيمان من موجبات العقول، فإذا عقل الصبي الإيمان ألزمه عقله أن يؤمن فإذا آمن وجب أن يعتد بإيمانه لأنه فعل ما التزمته الحجة بفعله.
فالجواب: أن الذين يذهبون إلى أن الوجوب والسقوط يدركان في بعض الأشياء بالعقل، وأن الإيمان بالله جل ثناؤه حسن لعينه، والكفر به قبيح لعينه، لا يزيدون في الإيمان على ما أصف، وهو أن العاقل إذا استدل فعرف أن يعتقد - ومعنى يعتقد أن يوطن القلب على أن ما ظهر له صحيح، ثم إن يحدث بما عرف فأخبر عنه صدق ولم يكذب.
فأما أن يكون عليه في قضية العقل أن يخبره عما اعتقده، ويتحدث به فلا، وليس ما يلزمه أن يصدق أو يحدث خاصاً لما عرفه من الله تعالى، ولكنه عام لكل ما عرفه وأدركه.
وأجمعنا على أن الإيمان لا يتم بمجرد الاعتقاد ولكنه يحتاج معه إلى الإقرار باللسان، وإذا لم يمكن إضافة وجوب الإقرار إلى العقل لم يجز أن يقال: إن إقرار الصبي إيمان لأجل أنه يعقل والإيمان من موجبات العقول.