ويدل على ما قلنا أن العقلاء اختلفوا في أن الإقرار من كمال الإيمان حتى لا يتبقى الكفر إلا به، أو هو من شرائعه وفروعه، وليس من شرطه كماله، ولم يختلفوا في وجوب الاعتقاد بعد حصول المعرفة، فلو كان الإقرار من موجبات العقول لم يختلفوا في وجوبه كما لم يختلفوا في الاعتقاد، وكما لم يختلفوا في أنه إن قصد الأخبار عن معتقده كان عليه أن يصدق ويخبر بالحق والله أعلم.
وأيضاً فإن الإيمان الذي يضاف وجوبه إلى العقل، هو الإيمان بعد المعرفة الناشئة عن الاستدلال، والصبي لا يكمل لمثل هذه المعرفة، فلم يكمل لوجوب الإيمان عليه بالعقل.
ويدل على ما قلنا أن الكفار الذين تقع لهم معرفة الباري جل جلاله لما يرون أن الإيمان به واجب، وإن كانوا بأنفسهم عقلاء مميزين، بل كان ذلك عندهم داخلاً في أبواب المحال.
وإنما رأى أن الإيمان واجب بالعقل من حصلت له المعرفة، فثبت أن الإيمان الناشئ عن المعرفة هو الذي يضاف وجوبه إلى العقل والمعرفة في قصة العقل له أن يكون اضطرار، وليس ذلك قولنا.
وإما أن يكون استدلالاً - وهو قولنا - والصبي لا يتكمل الاستدلال المؤدي إلى المعرفة فلم يمكن أن يضاف وجوب الإيمان عليه إلى العقل والله أعلم.
وأيضاً فإن الإيمان بالله لا يتجرد على الإيمان بالنبي - صلى الله عليه وسلّم - ، ووجوب الإيمان بالنبي - صلى الله عليه وسلّم - يقع لدعوته، ودعوته خطاب يذيع بالسمع، فلما لم يكن الصبي حط في الخطاب المسمعي، دل ذلك على أن حجة النبوة، إنما تقوم عليه، فتلزمه إذا بلغ، وفي ذلك دليل على أنه لا يكون مسلماً - وإن آمن بالله - ما لم يبلغ مؤمن برسوله - صلى الله عليه وسلّم - .
فإن قيل: أرأيت إن قلنا إن المقدار الذي يلزمه بالعقل من الإيمان يصح منه إلى أن يصير من أهل الزيادة عليه؟
قيل: ليس لك أن تقول هذا، لأنك تقبل منه الإيمان بالله ورسوله، وتنزله في غاية الأحكام الشرعية منزلة الكبير.
فلو كنت صححت منه ما يوجبه العقل دون غيره، لوجب أن لا يلبسه الإيمان كله، وهو إنما يلبس ببعضه.
وأما من يخالف هذا الرأي فإنه يقول: العقل يدرك به الحسن حسناً والقبح قبيحاً، أو المتحسن والمقبح غيره.
كما أن البصر يدرك به الأسود أسود والأبيض أبيض، والمسود والمبيض غيره.
والدلائل على الباري جل ثناؤه ووحدانيته وقدسيته قائمة ظاهرة متجلية للعقول.